اعتمد نموذج التعليم العالي في مصر منذ عقود على عقد اجتماعي بسيط، لكنه معيب. يتلخص هذا النموذج في توفير شهادات جامعية لملايين الخريجين، على أمل أن يستوعبهم الاقتصاد. لكن النتائج لم تكن مرجوة، في ظل الفجوة المزمنة الشاهدة على عيوب هذا النموذج بين مهارات الخريجين وبين القطاع الخاص الذي يضطر لإنفاق الملايين على إعادة تدريبهم، مما شكّل عبئا طويل الأمد على الإنتاجية.
وفي الوقت الحالي يحاول جيل جديد من الجامعات المتخصصة صياغة نسخة جديدة من هذا العقد. فمن خلال الابتعاد عن فكرة الحرم الجامعي المركزي والتحول نحو نموذج الجامعة متعدد المقرات واللامركزية القائمة حول تخصصات صناعية محددة (في قطاعات الغذاء، والنقل، والسياحة، والرياضة)، تعطي الدولة إشارات دالة على وجود تحول نحو تعليم يقوده المستثمرون ويواكب المتطلبات الآنية للسوق. ويعد إطلاق جامعة متخصصة في علوم الغذاء في العام الدراسي 2026-2027، بالشراكة مع جامعة هيروشيما اليابانية، أول اختبار حقيقي لمدى قدرة مصر على إسناد مهمة تنمية رأسمالها البشري إلى الشركات التي تحتاجه بشدة.
المصنع والمزرعة والمعمل هي الفصول الدراسية الجديدة
تتمثل السمة الأبرز في جامعة الغذاء — ونظيرتها المتخصصة في النقل التي ستؤسس بالشراكة مع جامعة دريسدن التقنية الألمانية — في غياب الحرم الجامعي التقليدي الراسخ. وسيتلقى الطلاب دراستهم الأكاديمية في مؤسسات شريكة مثل جامعة القاهرة وجامعة بنها، في حين سيتلقون تدريبهم العملي في مزارع ومصانع مملوكة لمستثمرين، حسبما صرحت به رشا سعد شرف، الأمين العام لصندوق تطوير التعليم، في حديثها مع إنتربرايز.
ولا ينطوي هذا على محض رحلات ميدانية، بل إنه دمج هيكلي للقطاع الخاص في المناهج الدراسية، وفقا لشرف. يوفر هذا النموذج على الدولة تكاليف استثمارية ضخمة كانت ستوجه لإنشاء معامل محاكاة أو مزارع تدريب حكومية تتسم في الغالب بعدم مواكبة ركب التكنولوجيا في السوق. وعلى الجانب الآخر، يمنح هذا النموذج المستثمرين فرصة أولية للوصول إلى كوادر مدربة خصيصا على أنظمته ومعداته.
لماذا الغذاء والنقل دون غيرهما؟ ولماذا الآن؟
لم يكن اختيار هذين القطاعين تحديدا — الغذاء والنقل — وليد الصدفة. فمع الضغوط التي تواجه نهر النيل وتقلب سلاسل التوريد العالمية، تحرص مصر على ابتكار حلول زراعية ذكية. ويعد تركيز جامعة علوم الغذاء المرتقبة على إدارة الموارد المائية، والطائرات المسيرة، والري الموجه بالأقمار الصناعية، استجابة مباشرة للحقيقة التي تواجهها مصر، والتي تقول إنها لم تعد قادرة على تحمل تكلفة الزراعة التقليدية. وإلى جانب كلياتها المتخصصة في الزراعة الذكية وإدارة الموارد المائية، ستضم الجامعة أيضا كليات للإنتاج الحيواني، وتكنولوجيا التصنيع الغذائي، والميكنة الزراعية. وتتماشى هذه التخصصات مع توجه الدولة لتعزيز المعروض الغذائي المحلي وزيادة الصادرات.
وفي الوقت ذاته، تتماشى جامعة النقل المدعومة بالخبرة الألمانية مع استثمارات الدولة البالغة قيمتها مليارات الدولارات في الموانئ والقطار الكهربائي السريع والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس. إذ لا يمكن إدارة مركز لوجستي عالمي بشهادات الهندسة المدنية وحدها، بل نحتاج إلى خبراء اقتصاديين في مجال النقل ومديري لوجستيات.
تصدير رأس المال البشري
ثمة ضغوط ديموجرافية كامنة تدفع هذا التحول. إذ إن البلاد لا تدرب هؤلاء الطلاب من أجل احتياجات السوق المحلية فحسب، بل إن الهدف يتمثل في تخريج كوادر قادرة على المنافسة عالميا، حسبما أوضحت شرف.
وفي عصر أصبح فيه نموذج “تقديم الكفاءات البشرية كخدمة” واحدا من الصادرات القابلة للتطبيق، تضع مصر خريجيها المتخصصين في وضع يسمح لهم بشغل وظائف في دول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا وغيرها. ومن خلال الشراكة مع جامعتي هيروشيما ودريسدن، تسعى مصر لمنح خريجيها ختم اعتماد معترف به دوليا لدخول سوق العمل العالمية.
فجوة تمويلية.. انتبهوا
“التعليم الأكاديمي وحده لا يكفي لتحقيق أثر حقيقي دون شراكات فعالة وتمويل مستدام لتطبيق الأبحاث المتخصصة الهادفة إلى دعم الأمن الغذائي في مصر وأفريقيا”، حسبما صرح به خالد عياد، الأستاذ بمركز البحوث الزراعية، في حديثه مع إنتربرايز.
ويبدو أن هذا النهج الجديد لفت انتباه بعض الشركات والكيانات المحلية؛ إذ تدرس وزارة التعليم العالي حاليا عقد شراكات مع كبار المصنعين والمستثمرين المحليين للمشاركة في الجامعات الجديدة، حسبما قال مصدر حكومي لإنتربرايز.
ومن أجل إنجاح هذا النموذج، تحتاج وزارة التعليم العالي إلى قاعدة عريضة من المستثمرين المستعدين لفتح أبوابهم للطلاب. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الشركات المصرية الكبرى العاملة في هذه الصناعات سترى الجانب الإيجابي والفائدة التي ستحصلها أعمالها التجارية جراء ذلك، أم سترى هذه الشركات أنه لا يتجاوز كونه تكليفا حكوميا ثقيلا.