تشير الأرقام المذكورة على الورق إلى أن مصر تقترب من التحقيق الكامل لمستهدف تعميم التعليم الأساسي، إذ بلغت معدلات الإتمام 96% في عام 2024، وفقا للتقرير العالمي لرصد التعليم (بي دي إف) الصادر مؤخرا عن منظمة اليونسكو. ويضع هذا مصر في مرتبة متقدمة، مقارنة بالعديد من نظيراتها في المنطقة في هاتين النقطتين، حيث تجاوزت معدل الإتمام في المغرب البالغ 84% وفي العراق البالغ 83%.

ويبدو أن البلاد تسجل أيضا معدلات جيدا نسبيا على مستوى الأطفال غير الملتحقين بالمدارس في هذه الفئة العمرية بنسبة 4% فقط. ومرة أخرى، يتفوق هذا المعدل على عديد من الدول العربية الأخرى، بل وبفارق كبير في بعض الأحيان. وإذا وضعنا هذه الأرقام في إطار نماذج المقارنة، سنجد أن معدلات عدم الالتحاق بالتعليم الأساسي تصل إلى 39% في ليبيا، و27% في لبنان، و8% في البحرين، وهي دولة خليجية أكثر ثراء.

لكن المؤشرات العامة تخفي حقيقة مثيرة للقلق. يحقق 34% فقط من طلاب المرحلة الابتدائية في مصر الحد الأدنى من مستوى الكفاءة في القراءة بنهاية المرحلة الابتدائية. وفي الرياضيات، ينخفض هذا الرقم إلى 29%.

بحسب هذا المؤشر، تأتي مصر خلف عدد من نفس الدول التي تسبقها البلاد في معدلات الالتحاق سالفة الذكر، التي يُحتفى بها. إذ يصل نحو 41% من طلاب المرحلة الابتدائية في المغرب إلى الحد الأدنى من الكفاءة في القراءة. وبالمثل، يحقق هذا الهدف 71% من الأطفال الذين ينهون التعليم الابتدائي في البحرين.

معيار مطلوب: إذا سألت أحد المعلمين عن مدى أهمية هذا الهدف، سيقول إن الوصول إلى الكفاءة في القراءة قبل نهاية التعليم الابتدائي يعد أحد أهم المراحل في المسار التعليمي للطفل. ففي حين يركز التعليم الابتدائي على تعلم القراءة، ينتقل التعليم في المراحل اللاحقة إلى القراءة بهدف التعلم. ومن أجل الانطلاق في المرحلة التالية للتعليم الابتدائي دون وجود أساس قوي يُبنى عليه لمهارات القراءة، من شأن هذا أن يكون له تأثير كرة الثلج، الذي يمتد طوال حياة الطلاب حتى يصبحوا بالغين وينضموا إلى سوق العمل، حيث يجد الطلاب صعوبة أكبر في اللحاق بالركب.

الكم على حساب الكيف

انخفض معدل عدم الالتحاق بالتعليم الابتدائي بمقدار 9 نقاط مئوية بين عامي 2015 و2024، إلى جانب تحسن بمقدار 4 نقاط مئوية في معدلات الإتمام خلال نفس الفترة. وهذا ليس إنجازا هينا بالنظر إلى أن عدد السكان في سن التعليم الابتدائي نما بمقدار 4.1 مليون نسمة — أو 34.8% — خلال هذه الفترة ليصل إلى 15.9 مليون نسمة، وفقا لحسابات إنتربرايز التي استندت فيها إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

لكن تسجيل الطفل في المدرسة الابتدائية ليس سوى الخطوة الأولى. ففي حين ساعد بناء 150 ألف فصل دراسي لجميع المراحل المدرسية على مدار العقد الماضي في استيعاب أعداد أكبر من الطلاب، فإن حضورهم وعدم التسرب من التعليم لا يعني بالضرورة أن هؤلاء الأطفال سيتعلمون المهارات اللازمة التي يحتاجون إليها؛ إذ إن توفر الأعداد الكافية من المعلمين، والكثافة الطلابية الداعمة في الفصول، والإطار الأكاديمي الداعم، تعد أمورا ضرورية للتعلم السليم.

وتقر الحكومة بالإشكالية التي تتعلق بأحجام الفصول الدراسية، وقد التزمت بخفض الكثافة الطلابية لجميع الفئات العمرية إلى 30 طالبا في الفصل بحلول عام 2030، انخفاضا من 40 طالبا في العام المالي الماضي، وذلك في الإصدار الثاني من تقرير السردية الوطنية للتنمية الشاملة (بي دي إف). وسيدعم هذا خفض نسبة الطلاب إلى المعلمين إلى 1:20 بحلول نهاية العقد، انخفاضا من 1:29 في العام المالي الماضي، ومن خلال التركيز على المحافظات ذات الكثافة العالية مثل الجيزة وأسيوط والمنيا وسوهاج والفيوم وقنا والقاهرة وبني سويف والقليوبية.

لكن الفصول الدراسية الأصغر تعني وجود حاجة إلى مزيد من المعلمين، غير أن توظيفهم يظل تحديا. فقدت مصر 127 ألف معلم بين عامي 2018 و2023، وهو ما تخطط وزارة التربية والتعليم لمعالجته من خلال التعاقد مع 167 ألف معلم بالحصة، ورفع أجر الحصة من 20 جنيها إلى 50 جنيها.

وتهدد الفصول الدراسية المكتظة بما يسميه العاملون في مجال التعليم فقر التعلم، وفيه يكون الأطفال في المدرسة، لكنهم لا يتعلمون. وهذا لا يفشل فقط في منح الأطفال التعليم الذي يستحقونه بوصفه حقا في حد ذاته، بل يضر أيضا جودة العمالة المبتدئة التي تحتاجها البلاد والشركات العاملة هنا.

التعليم ما قبل الابتدائي قد يكون أحد الحلول الرئيسية

يلتحق 31.2% فقط من الأطفال في سن ما قبل المدرسة بأحد أنواع المؤسسات التعليمية التي تقدم تجارب التعليم لهذه المرحلة العمرية، مما يعني أنه من بين 4.7 مليون طفل في هذه الفئة العمرية التي تمتد لعامين، يتلقى 1.5 مليون طفل فقط تعليما في مرحلة رياض الأطفال. وتعد هذه الفترة مهمة لما يسميه التربويون "القراءة والكتابة الناشئة"، وفيها يطور الأطفال الوعي المطبوع والصوتي إلى جانب معرفة الأبجدية، بالإضافة إلى إرساء الأساس للوظائف المعرفية المهمة الأخرى.

بل إن الإحصاء الرسمي للأطفال المسجلين في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي أقل من ذلك، إذ تشير خطة الدولة لعام 2030 إلى أن 22.8% فقط التحقوا بالتعليم في هذه المرحلة.

وتشير خارطة طريق التعليم الخاصة بالدولة لعام 2030 إلى وجود عجز بنسبة 32% في مراكز الطفولة المبكرة المسجلة في العام المالي 2023/2022. ومن أجل سد هذه الفجوة، تقترح الخطة تسهيل تراخيص الحضانات الخاصة والسماح للمدارس الخاصة باستضافة فصول الطفولة المبكرة، بالإضافة إلى إدخال مناهج جديدة لرياض الأطفال إلى جانب مبادرات تدريب الكوادر. وبحلول عام 2030، ترغب الحكومة في زيادة إجمالي معدل قيد الأطفال في مرحلة التعليم ما قبل الابتدائي إلى 35%.

العلامات: