لم يعد ما تشهده الشركات الناشئة المصرية في مجال تكنولوجيا التعليم من توسع نحو الخليج محض وسيلة للهروب من أزمات العملة، بل أصبح خطوة استراتيجية نحو النضج المؤسسي. ورغم واقعية العامل المهم ضمن هذه المساعي، الذي يتمثل في البحث عن العملة الصعبة، تجد بعض الشركات، مثل المنتور و"أو بي إم للتعليم"، أن التوسع خارج الحدود هو بمثابة حافز حقيقي لتطورها.
نضج متسارع: كان عمر البربري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "أو بي إم للتعليم" المتخصصة في الاستشارات المهنية للطلاب، ممن جربوا هذا الأمر بأنفسهم. إذ يرى أن دخول السوق السعودية أسهم بدور هائل في "تسريع نضجنا وتحولنا إلى شركة إقليمية". إذ إن البيئة الجديدة فرضت عليهم بناء "نظام حوكمة أقوى، ومعايير واضحة لتقديم الخدمات، وإطار عمل تجاري وتشغيلي أكثر قابلية للتوسع".
كسب الثقة: جسد هذا تحولا جذريا لمنصة "المنتور" للتعلم عبر الفيديو، ولكنه تطلب الكثير من العمل الشاق. وأوضح إيهاب فكري، الرئيس التنفيذي للشركة، أنهم انجذبوا في البداية نحو النضج الرقمي في الخليج وارتفاع معدلات استهلاك المحتوى، لكن كسب الثقة كان التحدي الأكبر؛ لأن المنطقة "تكافئ التنفيذ والاستمرارية والأثر الملموس" بدلا من البروباجندا التسويقية. ومن خلال توطين محتواهم بأقدام راسخة وإثبات جدارتهم، أسهمت هذه الخطوة في "ارتقاء المنتور من شركة ناشئة سريعة النمو إلى بنية تحتية تعليمية موثوقة إقليميا".
تلبية احتياجات غير ملباة: ما يجعل الخليج نافذة هائلة لهذه الشركات هو وجود فجوات تعليمية واضحة لم تسد بعد. ويشير فكري إلى وجود طلب ضخم على التعلم المستمر باللغة العربية بأسلوب جذاب، خاصة للمهنيين الذين يحتاجون إلى مهارات عملية تلائم سوق العمل. وعلى الجانب الآخر، يشير البربري إلى وجود نقص حقيقي بالنسبة للطلاب على صعيد التوجيه المهني والتعلم التجريبي العملي – مثل التدريب الصيفي – الذي يجهز الشباب فعليا للانضمام إلى سوق العمل الواقعية.
كسب ثقة المستثمرين: يثبت النجاح والاستمرار في سوق خليجية متطورة امتلاك الشركة الناشئة المقومات اللازمة للتعامل مع بيئات مختلفة. ويشير فكري إلى أن هذا النجاح العابر للحدود يعكس "القابلية للتوسع، وتنوع الإيرادات، والقدرة على مواجهة تقلبات العملة"، مما يثبت للمستثمرين أن الشركة تمتلك خيارات عالمية حقيقية.
هل هذا يعني التخلي عن مصر؟ حسم البربري الأمر قائلا: "لم يحل التوسع في دول مجلس التعاون الخليجي محل مصر، بل أكملها"؛ نظرا إلى أن المخزون الضخم من الكوادر والمواهب بأسعار تنافسية في مصر يجعلها الأرضية المثالية لبناء واختبار المنتجات الجديدة. ويتفق فكري مع هذا الرأي، مضيفا أنهم يستخدمون عوائد الخليج لتوسيع فرق العمل في مصر ومنح المواهب المحلية فرصة للاحتكاك العالمي، مما يخلق دائرة تعزيز متبادلة.
ما وراء الإقليم: ويبدو أن هذه الاستراتيجية القائمة على ترسيخ قدم في مصر بوصفها مركزا للإبداع والعمليات، وقدم أخرى في الخليج باعتبارها ساحة عملاقة للتوسع، بدأت تؤتي ثمارها خارج حدود الشرق الأوسط. ويقول فكري إن النجاح في سوق الخليج "عالية التوقعات" هو بمثابة "جسر مصداقية عالمي" يرسل إشارات قوية إلى أوروبا والولايات المتحدة. ومن خلال تعزيز قدرات ومهارات التوسع، تصقل شركات تكنولوجيا التعليم هذه معايير الامتثال الخاصة بها الآن، بحسب البربري، ليكون دخول الأسواق الغربية لاحقا خطوة "مدروسة وأقل اعتمادا على التجربة والخطأ".