بعد مرور تسعة أشهر فحسب على تخرج الدفعة الأولى من طلاب الجامعات الأهلية الدولية الجديدة في مصر، تكشف البيانات الأولية عن مشهد متباين. فبينما تواصل معدلات الالتحاق نموها المطرد، لا تزال مؤشرات توظيف الخريجين، والاستدامة المالية للمصروفات الدراسية، والتصنيفات الأكاديمية تسابق الزمن للحاق بالرؤية الطموحة التي أُسست عليها في عام 2018.
أربع مؤسسات، قانون واحد، ومجازفة كبرى: فتح القانون رقم 162 لعام 2018 الباب أمام تأسيس فروع للجامعات الدولية في مصر عبر إجراءات ترخيص مبسطة، ليدشن فئة جديدة من الجامعات على غرار جامعة الملك سلمان الدولية، وجامعة العلمين الدولية، وجامعة الجلالة، وجامعة المنصورة الجديدة. وتعد هذه المؤسسات الأربع جزءا من شبكة أوسع للجامعات الأهلية، والتي نجحت مجتمعة في استقطاب أكثر من 150 ألف طالب حتى سبتمبر 2024، وفقا لما صرح به وزير التعليم العالي أيمن عاشور خلال حفل تخريج الدفعة الأولى، والذي وصف فيه رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي هذا الإنجاز بأنه "مجرد بداية لمشوار طويل من الإنجازات". وهو الوعد الذي وضعته إنتربرايز تحت المجهر في حديثها مع رؤساء الجامعات، والشركاء، ومسؤولي التوظيف.
نمو بلا مؤشر قياسي: لم تنشر أي من الجامعات الأهلية مستهدفات محددة لأعداد الطلاب عند تأسيسها، مما يجعل من الصعب قياس معدلات نموها مقارنة بأي شيء سوى أرقامها السابقة. فعلى سبيل المثال، افتتحت جامعة المنصورة الجديدة أبوابها في العام الدراسي 2021-2022 بنحو 1300 طالب، وقفز هذا الرقم بمقدار عشرة أمثال منذ ذلك الحين ليصل إلى حوالي 14 ألف طالب، وفق ما صرح به رئيس الجامعة معوض الخولي لإنتربرايز. ويتركز النمو في تخصصات العلوم الطبية، وعلوم الحاسب، والهندسة، حيث وصلت بعض الكليات بالفعل إلى طاقتها الاستيعابية القصوى.
وقال الخولي إنه لم يكن هناك مستهدف مباشر لأعداد الطلاب الملتحقين عند افتتاح الجامعة؛ إذ كانت الأولوية حينها تتمثل في بناء البنية التحتية، مع تقسيم النمو على مراحل ليتماشى مع مدى جاهزية المنشآت. وأضاف أن جامعة المنصورة الجديدة تسير على المسار الصحيح وفقا لتلك الخطة، مع وجود مساحة للتوسع والنمو في قطاعات أخرى.
وفي المقابل، يبدو أن الجامعات الخاصة لا تشعر بضغوط المنافسة بعد. إذ لا يزال من المبكر جدا أن تؤثر الجامعات الأهلية على معدلات الالتحاق بالجامعات الأخرى، فيما تشهد الجامعة الأمريكية بالقاهرة طلبا قياسيا. وصرح وكيل الشؤون الأكاديمية للجامعة الأمريكية بالقاهرة إيهاب عبد الرحمن لإنتربرايز: "على مدار السنوات القليلة الماضية، واصلنا تسجيل معدلات قوية في استقطاب الطلاب"، مشيرا إلى قفزة في طلبات الالتحاق لفصل الخريف المقبل، وجذب الطلاب الأكثر تفوقا في مصر، معقبا: "كلما زاد عدد الجامعات التي تقدم خيارات متنوعة، كان ذلك أفضل".
دفعة 2024: مؤشرات أولية وفجوة في البيانات. أفرزت الدفعة الافتتاحية لجامعة المنصورة الجديدة في العام الدراسي 2024-2025 نحو 200 خريج فقط من أصل نحو 1300 طالب التحقوا بها في عام 2021-2022؛ ومن المقرر أن يتخرج غالبية الطلاب المتبقين خلال العام الحالي، ليقترب إجمالي الخريجين التراكمي من ألفي طالب بنهاية العام، وفقا لتقديرات الخولي. وأشار إلى أن معظم خريجي علوم الحاسب يجدون فرص عمل في مجال تخصصهم، غير أن البيانات التفصيلية لأعداد المعينين حسب جهة التوظيف لا تزال غير متاحة بعد.
تحركات التعليم العالي قد تعيد رسم خريطة الالتحاق مستقبلا: تسعى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لحل معضلة غياب البيانات الحالية؛ إذ كشف مصدر مسؤول بالوزارة لإنتربرايز أن العمل جارٍ لتطوير مؤشر توظيف شامل يتتبع مسارات الخريجين ومدى اندماجهم في سوق العمل. وسيقيم المؤشر البرامج الأكاديمية استنادا إلى الوظائف الحقيقية التي توفرها فعليا؛ مما يعني أن نتائج التوظيف ستحدد بشكل مباشر أعداد الطلاب المسموح بقبولهم في كل تخصص مستقبلا، ليتحول دور بيانات الخريجين إلى أداة لإعادة توزيع الطاقة الاستيعابية عبر التخصصات المختلفة. كنا قد سلطنا الضوء على مشكلة البيانات ذاتها الأسبوع الماضي. ولا يتوفر حاليا إحصاء موثوقا للأماكن والجهات التي ينتهي المطاف بالخريجين بالعمل فيها.
وعلى سبيل المثال، كشفت مسؤولة استقطاب المواهب في شركة فودافون مصر أميرة عمرو، في تصريحات لإنتربرايز، أن برنامج ديسكفر التابع للشركة لم يوظف أي خريج من جامعات الملك سلمان، أو العلمين، أو المنصورة الجديدة خلال الدورة الحالية. وفي المقابل، اقتنصت الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والجامعة الألمانية بالقاهرة، وجامعة نيو جيزة، وجامعة القاهرة على النصيب الأكبر من التعيينات. الأمر الأكثر إثارة للدهشة، أن خريجي الجامعات الأهلية الثلاث لم يظهروا في قوائم المتقدمين للبرنامج هذا العام من الأساس؛ مما يعني أن الفجوة لا تتعلق فقط بمن تم توظيفه، بل تبدأ من مرحلة من تقدم للوظيفة في المقام الأول.
وتعد هذه الفجوة تحديدا الورقة الرابحة التي تستخدمها الجامعات الخاصة لتبرير سياساتها التسعيرية. وفي هذا السياق، أوضح إيهاب عبد الرحمن أن الجامعة الأمريكية بالقاهرة رفعت ميزانية المنح الدراسية والمساعدات المالية إلى 52 مليون دولار، لتمد التغطية الكاملة لنحو 1500 طالب. ومن الناحية النظرية، تبدو الجامعات الأهلية غائبة تماما عن رادار واحدة من كبرى جهات التوظيف على الأقل، وإن كان لم يتضح بعد ما إذا كان السبب يعود إلى الخريجين أنفسهم، أو طبيعة الشهادة الجامعية، أو مجرد ضعف حضورها وظهورها في السوق. ونوهت أميرة عمرو إلى أن دورة توظيفية لشركة واحدة لا يمكن اتخاذها كدليل قطعي للحكم على كفاءة شريحة كاملة من الجامعات، وهو أمر لافت بالنظر إلى حجم الترويج الكثيف الذي تتبعه تلك الجامعات لتسويق شراكاتها الدولية.
على الجانب الآخر، تقدم كلية السياحة والفنادق بجامعة المنصورة الجديدة تجربة مغايرة تماما؛ حيث سجلت الكلية معدل توظيف بلغ 95%. وكشف عميد الكلية محمد عبد اللطيف، في تصريحات لإنتربرايز، أن إدارة مجموعة فنادق عالمية عينت مؤخرا دفعة كاملة تضم 230 طالبا مباشرة من الجامعة للعمل في منشآتها المختلفة. وتضع الكلية حاليا اللمسات الأخيرة على بروتوكول تعاون مع شركة مصر للطيران يمنح خريجيها أولوية التعيين بشركة الطيران الوطنية، مما يثبت أن هذه الجامعات بدأت تكتسب أرضية حقيقية وزخما تشغيليا في الكليات المتخصصة المرتبطة بشراكات في قطاعات بعينها، حتى وإن ظلت غير مرئية لمسؤولي التوظيف في شركات مثل فودافون.
فخ النقد الأجنبي: صُمم النموذج المالي لهذه الجامعات في عامي 2018 و2019 عندما كان الجنيه يتداول بالقرب من مستوى 16 جنيها مقابل الدولار، وبحلول منتصف عام 2026 تجاوز سعر الصرف حاجز الـ 50 جنيها للدولار؛ وهو انهيار حاد للعملة لم يكن النموذج المالي مهيأ له على الإطلاق، إذ أنه كان يعتمد على مصروفات دراسية بالجنيه لتغطية تكاليف استيراد المعدات الفنية ورسوم الشراكات الأجنبية. وقال الخولي إن جامعة المنصورة الجديدة فضلت امتصاص هذه الصدمة بدلا من تمريرها للطلاب؛ إذ ثبتت المصروفات الدراسية للطلاب المقيدين وقامت بمراجعة الرسوم للجدد في "نطاق ضيق ومحسوب للغاية" لم يواكب الارتفاع الفعلي في التكاليف. وفي جامعة العلمين، أفاد أحد الخريجين لإنتربرايز بأن المصروفات استقرت عند 63 ألف جنيه خلال الفترة من 2021 حتى 2023، قبل أن ترتفع بنسبة 10% فقط في عام 2024، رغما عن فقدان العملة المحلية ثلثي قيمتها مقابل الدولار خلال الفترة ذاتها.
وفي المقابل، تتبع الجامعة الأمريكية نموذج تسعير مختلف. إذ قال عبد الرحمن: "حافظنا على استقرار المصروفات الدراسية الأساسية المقومة بالدولار لأربع سنوات متتالية رغم التضخم المرتفع"، مضيفا أن "الجامعة ستطبق زيادة طفيفة قدرها 5% فحسب في المصروفات بدءا من فصل الخريف المقبل، لضمان الاستدامة المالية والحفاظ على جودة الخدمات".
الشراكات الدولية ليست بمنأى عن ضغوط التكلفة ذاتها: أوضح الخولي لإنتربرايز أن جامعة المنصورة الجديدة أبرمت بالفعل شراكات مع جامعات لويفيل الأمريكية وشرق لندن ونوتنجهام ترنت البريطانية، لتطوير المناهج الدراسية وتدريب الكوادر والتعاون البحثي.
ومع ذلك، فإن نطاق التأثر أضيق مما يبدو عليه. ينحصر التأثير السلبي على مسارات منح الدرجات المزدوجة التي تشترط السفر للدراسة بالخارج أو سداد رسوم بالعملة الصعبة، بينما تستمر أطر التعاون الأكاديمي الأوسع بصورة طبيعية. وعوضا عن قصر هذه المسارات على الطلاب القادرين ماليا، تتجه الجامعة لمد نطاق التعاون ليشمل جميع الطلاب عبر إعادة التفاوض على نماذج الدرجات المزدوجة. وصرح الخولي لإنتربرايز: "الأمر لا يتعلق بوقف تخصصات معينة أو إلغاء برامج محددة". وهناك مؤشر مستقل يبرز الفجوة القائمة: إذ حلت جامعة الملك سلمان الدولية في المرتبة 169 ضمن التصنيف العربي للجامعات لعام 2025، بينما تراجعت جامعة المنصورة الجديدة وجامعة العلمين الدولية إلى الشريحة 201 فأكثر.
رأينا: سيسهم مؤشر التوظيف المزمع إطلاقه من قِبل الوزارة في دعم وتوسيع البرامج المتخصصة والمرتبطة بشراكات مع قطاعات محددة، مثل كلية السياحة بجماعة المنصورة الجديدة، في حين سيقلص تدريجيا من البرامج التي تعزف المؤسسات الكبرى مثل فودافون عن تعيين خريجيها. ويمثل هذا التوجه تحولا استراتيجيا يتجاوز مجرد تأثير دورة توظيفية واحدة؛ إذ تنتقل الحكومة من مرحلة مجرد إحصاء أعداد الخريجين إلى تحديد عدد الطلاب الإضافيين المسموح للجامعات بتخريجهم في كل تخصص بناء على معطيات سوق العمل الحقيقية.