تتوسع كبرى الشركات المصرية في قطاعات العقارات والسلع الاستهلاكية والطاقة والصناعة توسعا قويا في دول الخليج والعراق وشمال أفريقيا. ففي ظل تغير خريطة المشروعات المحلية وتقلبات أسعار الصرف، اقتنصت الشركات الهندسية العملاقة المملوكة للدولة مثل إنبي وبتروجت، وشركة زينوكس الصناعية، وشركتا التطوير العقاري المملوكة للقطاع الخاص طلعت مصطفى وأورا ديفيلوبرز، صفقات ضخمة خارج البلاد. بيد أن السؤال الهيكلي هو ما إذا كان هذا التوسع الخارجي تحوطا متعمدا على مستوى الاقتصاد الكلي ضد أزمات نقص العملة الأجنبية محليا، أم أن هذه التحركات ليست سوى محض اقتناص للفرص؟
بالأرقام
بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادرة من مصر 508 ملايين دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 30.3% على أساس سنوي، وذلك بعد أن كانت قد ارتفعت بنسبة 14% في عام 2023 لتصل آنذاك إلى 390 مليون دولار، وفقا لبيانات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، التي جمعها الخبير الاقتصادي ومحلل الاقتصاد الكلي إسلام مجدي وشاركها مع إنتربرايز. واستمر هذا المسار الصعودي خلال العام الجاري، إذ أظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصادرة إلى 524.1 مليون دولار في العام المالي 2024-2025. وتتزامن هذه القفزة مع أسوأ موجة لتخفيض قيمة العملة في مصر، التي أفقدت الجنيه نحو 50% من قيمته مقابل الدولار عبر ثلاثة تخفيضات بين مارس 2022 ومارس 2024، بلغت ذروتها في التخفيض الأخير البالغ 38%.
الأهم من ذلك أن ميزان المدفوعات في مصر يبين أن متحصلات دخل الاستثمار لا تزال كبيرة مقارنة بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادرة. إذ توضح بيانات البنك المركزي أن متحصلات الدخل بلغت 2.90 مليار دولار في العام المالي 2024-2025، أي أكثر من 5 أمثال صافي الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر البالغ 524.1 مليون دولار. استمرت بذلك التدفقات القوية التي شهدتها البلاد في السنوات السابقة، إذ سجلت المتحصلات 1.93 مليار دولار في العام المالي 2023-2024 (ما يقارب 4 أمثال صافي الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر) و2.14 مليار دولار في العام المالي 2022-2023 (أكثر من 6 أمثال صافي الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر).
ويرى مجدي أن شركات مثل أوراسكوم و"إي إف جي هيرميس" والنساجون الشرقيون كانت تبني حضورا إقليميا قبل وقت طويل من التخفيضات الأخيرة في قيمة العملة، مما يعكس طموحاتها الاستراتيجية طويلة الأمد. ويُرجع هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس، الدوافع الأولى إلى تعويم العملة في نوفمبر 2016، عندما اتجهت شركات مثل إيديتا نحو المغرب. وقال جنينة: "تراجع ذلك الدافع مع استقرار الجنيه، لكن صدمة 2022-2024 جعلت من التحوط ضرورة هيكلية". فيما أضاف مجدي أن تخفيضات العملة "عجلت من خطط التوسع القائمة وعززت الجاذبية النسبية للأسواق الأجنبية لتوليد العملة الصعبة".
وجهة نظر مختلفة
لا يقتصر التفسير على متغير تخفيض العملة وحده. إذ قال كبير الاقتصاديين لدى مجموعة "إي إف جي هيرميس" محمد أبو باشا: "لولا وجود [الفرصة]، لم يكن هذا ليحدث". فقد فتحت السعودية سوقها العقارية، وطرحت عمان برامج صناعية، وسعى العراق إلى جذب رؤوس الأموال الإقليمية.
تحركات في مختلف القطاعات
يقود القطاع العقاري الخاص هذا التوجه؛ إذ حصلت مجموعة طلعت مصطفى مؤخرا على أرض ورخصة استثمار لمشروع ضخمبقيمة 10 مليارات دولار في بغداد، يمتد على مساحة 12.8 مليون متر مربع، مستهدفة مبيعات بقيمة 18.8 مليار دولار وإيرادات متكررة سنوية تبلغ 108 ملايين دولار. كما وقعت شركة أورا ديفيلوبرز المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس اتفاقية مع الحكومة العراقية لتطوير مدينة علي الوردي الجديدة، التي توصف بأنها أكبر مجمع سكني في العراق. وتضخ شركة بالم هيلز للتعمير هي الأخرى 3.8 مليار دولار لتطوير مشروع السعديات شورز في أبوظبي، مستهدفة مبيعات تتجاوز 7 مليارات دولار من المشترين الدوليين. وتدرس شركتا أوراسكوم كونستراكشون و"أو سي آي جلوبال" اندماجا عابرا للحدود لإنشاء منصة عالمية موحدة للبنية التحتية مدرجة في أبوظبي وتتخذ من الإمارة مقرا لها. كما يستثمر تحالف يقوده الملياردير سميح ساويرس 200 مليون يورو لتدشين المرحلة الأولى من إعادة بناء منتجع موكادور المتعثر منذ فترة طويلة في المغرب.
وتأتي موجة قطاع السلع الاستهلاكية سريعة التداول ضمن هذا التوجه أيضا. فقد حصلت شركة إيديتا للصناعات الغذائية مؤخرا على قرض بقيمة 500 مليون جنيه لأجل سبع سنوات لإنشاء خطوط إنتاج جديدة في المغرب والعراق. كما أبرمت شركة جهينة مؤخرا اتفاقية توزيع في السعودية لتوسيع بصمتها في دول الخليج، وتتطلع شركة دومتي لتأسيس مصنع في المملكة أيضا. ويشير أبو باشا إلى أن هذا المسار يطور من نموذج أعمال قطاع السلع الاستهلاكية، مما يتيح للشركات الاستثمار في العلامات التجارية بدلا من الاعتماد على التوزيع فقط.
كما تستفيد الشركات الهندسية الحكومية من القنوات الدبلوماسية؛ فقد سجلت شركة إنبي أول توسع لها في عمان في مايو 2026، بعد اقتناص عقد بنظام تسليم المفتاح بقيمة 355 مليون دولار لتحديث البنية التحتية للغاز الطبيعي لصالح شركة تنمية نفط عمان، بهدف زيادة قدرات معالجة الغاز في محطة تجميع بيربا إلى ثلاثة أمثال. وتشمل الصفقات السابقة في هذه الاتجاه عقد هندسة ومشتريات وبناء بقيمة 181 مليون دولار فازت به شركة بتروجت في حقلي باب وعصب التابعين لشركة أدنوك في الإمارات في يونيو 2023، وصفقة محطة المعالجة المسبقة للغاز الطبيعي بقيمة 1.2 مليار دولار التي أبرمتها إنبي وبتروجت في الإمارات في يناير 2025. كما وقعت شركة التصنيع المحلية زينوكس اتفاقية بقيمة 2.5 مليون دولار مع الشركة العمانية لدرفلة الألمنيوم لإنشاء مركز صناعات تحويلية للألمنيوم بطاقة 50 ألف طن.
ويسير القطاع المصرفي على نفس مسار هجرة الشركات؛ إذ افتتح البنك الأهلي المصري مؤخرا أول فروعه في السعودية، ويتطلع حاليا لتأسيس وجود له في العراق، كما يدرس التوسع في الإمارات.
دافع محتمل
ثمة دافع يتعلق بفروق التقييم قلما يتحدث عنه أحد. إذ قال جنينة إن "لسان حال كثير من الشركات كان أنها تريد الإدراج في الخارج لتعزيز قيمة حقوق الملكية الخاصة بها، لكي يُنظر إليها على أنها شركات أجنبية". وبمجرد أن تحقق الشركة 50% أو أكثر من إيراداتها من الخليج، حيث تتسم أسعار الصرف بالاستقرار وتنخفض علاوات مخاطر الأسهم، يخصص لها المستثمرون تكلفة أقل لحقوق الملكية، مما يرفع من التقييم الإجمالي.
الرهان العراقي
يمثل العراق الرهان الجغرافي الأكبر من حيث المخاطر. إذ تجاوزت تدفقات الاستثمار إلى البلاد 102 مليار دولار بين عامي 2022 و2025، وفقا لمجدي. وأضاف أن الشركات المصرية تمتلك ميزة تنافسية بفضل خبرتها في التنفيذ في الأسواق المبتدئة والتسعير التنافسي في أعقاب تراجع قيمة الجنيه. وقد أسهم انضمام العراق إلى اتفاقيتي نيويورك وسنغافورة عام 2021 في تعزيز أطر حماية المستثمرين بشكل كبير.
ما الذي يعنيه هذا؟ من خلال الانضمام إلى اتفاقيتي نيويورك وسنغافورة، أسس العراق شبكة أمان عالمية، وفرت للشركات الأجنبية ومنها شركات التطوير العقاري المصرية اليقين اللازم لممارسة الأعمال التجارية هناك. حد العراق بذلك من المخاطر الهيكلية للاستثمار في مشروعاته، ما سمح للشركات المصرية بالتوسع بثقة في مشروعات إعادة الإعمار في العراق دون ترك رؤوس أموالها مكشوفة.
لكن العمل في العراق له مخاطر حقيقية، حسبما قال جنينة بنبرة حذرة. وأشار إلى أن الحرب الإقليمية أضرت بأعمال شركة "جي بي كورب" في العراق، والتي تشمل توزيع سيارات الركوب مثل "إم جي" وجاك وفوتون، ومركبات باجاج الخفيفة، وقطع غيار خدمات ما بعد البيع؛ ، مما حول ما بدا وكأنه خطوة للتحوط إلى عامل "مدمر للتقييم"، إذ تراكم المخزون هناك واضطرت الشركة لتحمل خسائر ناتجة عن تخفيض الأسعار.
التكلفة هي استنزاف الكفاءات المحلية
يستنزف التوسع الخارجي العمالة الماهرة التي تنتقل إلى الخليج، مما يدفع الأجور المحلية للارتفاع. وفي حين يواجه المقاولون الإجراءات الروتينية لإرسال فرقهم إلى الخارج، مثل استخراج تأشيرة عمل بقيمة 2500 دولار لمدير مشروع مصري في العراق، تكمن المخاطر على مستوى الاقتصاد الكلي في أن هذا الانتقال يترك السوق المحلية متعطشة للكفاءات.
وتعد حالة قطاع المقاولات على المستوى الهيكلي أوضح دليل على أن الأمر مسألة بقاء، وليس مجرد فرصة. فقد وجدت إنتربرايز في تقرير سابق أن المقاولين يواجهون أزمة سيولة وتآكلا في هوامش الأرباح. إذ تخفي القيم الاسمية للعقود خسائر فادحة، فقفزت تكاليف الأسفلت من 100 جنيه للمتر المربع عند التوقيع إلى 350 جنيها اليوم. وتغطي التعويضات الحكومية نحو 60% إلى 70% فقط من الخسائر الفعلية، في حين تلتهم الإمدادات المستوردة ما بين 40% إلى 50% من تكاليف المشروع بالعملة الأجنبية، مما يترك المشروعات المحلية مكشوفة أمام صدمات النقد الأجنبي.
وأدى الضغط على الهوامش أيضا إلى تصدع السوق. إذ إن كبرى الشركات تحمي ميزانياتها العمومية من خلال المشروعات قيد التنفيذ في الخارج، وهو ما يتضح من حجم المشروعات قيد التنفيذ لشركة أوراسكوم كونستراكشون البالغة 9 مليارات دولار في العام المالي 2025، مدفوعا بشكل كبير بقفزة بلغت 80.6% في مشروعاتها بالولايات المتحدة. وعلى النقيض من ذلك، يضطر مقاولو الصفين الثاني والثالث العالقون في السوق المحلية لبيع أصولهم للبقاء في السوق، فيما يواجه البعض الآخر شبح الإفلاس. ويضغط الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء حاليا للحصول على دعم الدولة لتحويل صادرات المقاولات إلى مصدر رئيسي للعملة الصعبة.
هل تعود الأموال إلى البلاد؟
يقلل تحقيق هذه الشركات إيرادات دولارية في الخارج من الطلب على سوق الإنتربنك في مصر، وهو ما يصفه أبو باشا بأنه نتيجة صحية لتخفيض قيمة العملة. إذ تُظهر الأرقام المذكورة أعلاه ارتفاع نسبة متحصلات دخل الاستثمار إلى تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادرة ارتفاعا ملحوظا منذ عام 2022، مما يثبت رجوع هذه التدفقات إلى النظام.
لكن استفادة ميزان المدفوعات من ذلك لا تتحقق إلا إذا أُعيدت الأرباح إلى البلاد. ويحذر جنينة من أنه إذا تدفقت الأرباح إلى شركات ذات أغراض خاصة في الخارج (وهي شركات صورية تؤسس في الملاذات الضريبية لتوجيه الأرباح) بدلا من العودة إلى مصر، فإن الفائدة التي تعود على ميزان المدفوعات ستتبخر. ويضيف مجدي أن هناك حاجة إلى وجود اهتمام مؤسسي أعمق، يسلط الضوء على التوزيع الدقيق بين الأرباح العائدة إلى البلاد والأرباح التي يُعاد استثمارها.
موقف الدولة
تنظر الحكومة إلى التوسع الخارجي على أنه مصدر مستقبلي للعملة الصعبة، وليس استنزافا. فيستكشف صندوق مصر السيادي فرصا استثمارية في الخارج، كما يرى البنك المركزي حركة انتقال رؤوس الأموال للخارج بوصفها ميزة، بحسب مجدي. فضلا عن أن فرض قيود على حركة رؤوس الأموال سيتعارض مع التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي. فقد أظهرت أزمة عام 2022 التكلفة التي تُدفع جراء تقييد تدفقات الدولار، وهو ما أضر بثقة المستثمرين.
الخلاصة؟
يمثل التوسع الخارجي محاولة لبناء مصادر جديدة للدخل بالدولار وتنويع المخاطر، وهي نقطة يلتقي عندها التحوط الاستراتيجي مع اقتناص الفرص، والقيود المحلية، والدورة الاستثمارية في دول الخليج. ولذا فإن المؤشر الذي يستحق المتابعة هو بيانات ميزان المدفوعات الصادرة عن البنك المركزي المصري، وتحديدا ما إذا كان "الدخل الأساسي" سيشهد تغيرات ملحوظة مع نضج هذه المشروعات العابرة للحدود.