🏆 كأس العالم على الأبواب: يومان فقط يفصلاننا عن الحدث الذي يترقبه عشاق الساحرة المستديرة في مصر والعالم كل أربع سنوات. ورغم أن ذكرى مونديال قطر 2022 لا تزال تطاردنا باعتبارها النسخة الأمثل من ناحية المواعيد والحضور الجماهيري لمشجعي المنطقة، إلا أن الترقب ذاته لم يقل، خاصة مع مشاركة مصر في نسخة هذا العام.
تكتسب نسخة هذا العام طابعا خاصا، إذ تقام مبارياتها بين دول أمريكا الشمالية الثلاث، ويشارك فيها عدد أكبر من فرق المنتخبات ليرتفع إلى 48 منتخبا بدلا من 32 منتخبا، بواقع 104 مباريات على مدار 39 يوما في 16 مدينة موزعة على الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وتنطلق صافرة البداية يوم 11 يونيو في تمام الساعة 10 مساء بتوقيت القاهرة، بمواجهة تجمع بين المكسيك وجنوب أفريقيا في ملعب أزتيكا بمدينة مكسيكو.
يتوقع الفيفا عوائد ضخمة من نسخة المونديال الحالية، إذ قد تدر وحدها نحو 8.9 مليار دولار، ما يعزز إيرادات دورة 2023-2026 للاتحاد إلى نحو 13 مليار دولار. وتعد حقوق البث التلفزيوني الداعم الأكبر لهذه الإيرادات بنحو 4.3 مليار دولار خاصة مع زيادة عدد المباريات المقامة، ما يعني مزيدا من المحتوى المباع للمعلنين وشبكات البث. كما تأتي مبيعات التذاكر وبرامج الضيافة في المرتبة الثانية، والتي من المرجح أن تقفز إلى 3 مليارات دولار، مقارنة بنحو 950 مليون دولار في مونديال قطر 2022، بحسب الجارديان.

البداية
قبل عقود طويلة، وبالتحديد عام 1930 في مدينة مونتيفيديو، أقيمت مباريات أول نسخة كأس عالم في التاريخ في الأوروجواي، والتي شهدت تتويج الدولة المستضيفة بلقب البطولة، بعد النهائي المحتدم بينها وبين الأرجنتين. شارك في النسخة الأولى 13 دولة، وهي: بلجيكا وبوليفيا والبرازيل وتشيلي وفرنسا والمكسيك وباراجواي وبيرو إلى جانب رومانيا والولايات المتحدة ويوغوسلافيا، فضلا عن أوروجواي والأرجنتين.
كان ذلك بداية تاريخية للبطولة الأهم حتى اليوم. حينها لم تحمل قمصان اللاعبين أسمائهم ولا أسماء معلنين، كما لم يكن اسم الكأس كما نعرفه اليوم، بل أطلق عليه كأس جول ريميه، تكريما لرئيس اتحاد كرة القدم الفرنسي آنذاك، وقد ظل كذلك حتى عام 1970، قبل أن يتحول إلى كأس العالم فيفا. وتعد البرازيل حاليا هي أكثر الدول تتويجا بلقب المونديال بواقع خمس مرات، فيما يتصدر الألماني ميروسلاف كلوزه قائمة هدافي الفيفا بواقع 16 هدف.
بالأرقام
مع تنافس الشركات المختلفة على عقود الرعاية، يتوقع الفيفا إيرادات رعاية هي الأكبر في تاريخ الرياضات المستقلة بنحو 2.8 ملياردولار. فمع تبقي فقط عقدي رعاية إقليميين لم يتم حسمها حتى الآن، أعلن الفيفا بيع كافة باقات الرعاية العالمية للبطولة البالغ عددها 16، والتي تضمنت علامات تجارية بارزة مثل أرامكو وأديداس وكوكاكولا ولينوفو وفيزا وهيونداي وكيا والخطوط الجوية القطرية وبنك أوف أمريكا.
حضور خليجي قوي: كانت عملاقة النفط السعودية أرامكو قد أبرمت اتفاقية شراكة عالمية مع الفيفا في أبريل 2024، لتصبح الشريك العالمي الرئيسي للاتحاد وشريكه الحصري في قطاع الطاقة. وتغطي هذه الشراكة — التي تمتد حتى نهاية عام 2027 وتقدر قيمتها بنحو 100 مليون دولار سنويا — حقوق رعاية بطولات بارزة مثل كأس العالم 2026 وكأس العالم للسيدات 2027. جدير بالذكر أنه عند الإعلان عن تلك الشراكة، وقعت أكثر من 100 لاعبة عريضة تطالب بإلغائها، لعدم تماشي قيم أرامكو مع القيم الرياضية الداعية إلى الحفاظ على البيئة والاستدامة، وكذلك التخوفات المتعلقة بسجل السعودية في ملف حقوق الإنسان والمرأة.
تقنية سعودية في المونديال: لا تشارك السعودية بمنتخبها الوطني فحسب، بل كذلك عبر أرامكو التي تتعاون مع الفيفا في الجانب التكنولوجي التشغيلي، من خلال إطلاق نظام التصنيف المتطور والذي يعتمد على تحليل البيانات لتقييم أداء اللاعبين الفردي بموضوعية عقب كل مباراة.
مبالغات دعائية؟
أرقام براقة: رغم توقعات الفيفا بأن تضيف البطولة نحو 40 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فضلا عن توفير نحو 800 ألف وظيفة، يرى الكثير من خبراء الاقتصاد أن تلك محض مبالغات دعائية أكثر من كونها أبحاثا اقتصادية مستقلة، بحسب تقرير جمعية الدراسات الماليةبجروننجنالهولندية. والتاريخ يدعم مثل هذا الرأي، إذ أكدت الأبحاث الاقتصادية أن العوائد طويلة الأجل للدول المستضيفة غالبا ما تكون محدودة أو غير مؤثرة بمجرد تلاشي الانتعاش المؤقت لقطاعي السياحة والتشييد.
ماذا عن الدول المستضيفة؟ رغم استحواذ الولايات المتحدة على نصيب الأسد بنحو 17 مليار دولار كإضافة متوقعة لناتجها المحلي الإجمالي، إلا أن هذا الرقم يمثل أقل من 0.1% من حجم الاقتصاد الأمريكي الضخم، خاصة مع الوضع في الاعتبار الانفاق الهائل المقدر بنحو 11 مليار دولار، إلى جانب مخاوف تراجع الإقبال السياحي، في ظل سياسات التأشيرات والهجرة المتشددة منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
بدأت علامات السياسة المتشددة في التجلي، إذ علق لاعب منتخب العراق أيمن حسين لمدة 7 ساعات في مطار شيكاغو حيث استجوب وفتش، ورغم تأكيد المدير الإداري للمنتخب العراقي على أن ما حدث معه كان أمرا واردا في أي مطار بالعالم، إلا أن ذلك لم يمنع من تشكيك الإعلام ورواد السوشيال ميديا في تعامل الولايات المتحدة مع ضيوفها خلال البطولة، خاصة مع منع دخول الحكم الصومالي عمر عرتن الحائز على جوائز من دخول الأراضي الأمريكية، ورغم أن جميع مباريات المنتخب الإيراني في كأس العالم تقام في الولايات المتحدة، إلا أن البعثة فضلت المكوث في المكسيك تجنبا لأية مشكلات دبلوماسية.
وبالعودة إلى العوائد — يتوقع أن تجني المكسيك إيرادات تتراوح بين 2.5 و 3 مليارات دولار أي نحو 0.1% من ناتجها المحلي الإجمالي — مع توقعات بأن تدر مبيعات البيرة نصف هذا الرقم — وهو أقل بكثير مما أنفق، بينما يتوقع أن يسجل الاقتصاد الكندي مكاسب تقارب 3.8 مليار دولار كندي، غير أن التكاليف المرتفعة لاستضافة المباريات وتجهيز البنية التحتية ستلتهم جزءا كبيرا من هذه العوائد، إذ يقدر أن تنفق كندا نحو مليار دولار كندي لاستضافة المباريات، وفق رويترز.
التكلفة الخفية
مع انطلاق البطولة، تتغير الأولويات، فواحد من كل خمسة موظفين سيبحث عن وظيفة أخرى في حال أثر العمل أو المدير سلبا على تجربته خلال كأس العالم، مع توقعات بتكبد أصحاب العمل خسائر في الإنتاجية قد تصل إلى 17 مليار دولار — منها 11 مليار في الولايات المتحدة فقط — نتيجة انشغال الموظفين بمتابعة المباريات أو أخذ إجازات غير مخططة خلال أوقات العمل، حسبما أشارت دراسة حديثة أجرتها شركة يو كيه جي لأبحاث الموارد البشرية على نحو 8 آلاف موظف، من دول مثل فرنسا وكندا وأستراليا وغيرها.
معضلة فرق التوقيت: إلى جانب تأثر تجربة المشاهد العربي بفروق التوقيت في البث والتي قد تدفعه إلى السهر لفترات طويلة لمشاهدة المباريات المهمة — إذ تقام بين العاشرة مساء والواحدة بعد منتصف الليل وحتى الرابعة فجرا — سيواجه أصحاب المقاهي والمطاعم التي تعرض مباريات كرة القدم معضلة حقيقية، فبينما تمثل مواسم البطولات الكروية مصدرا لزيادة أرباحها، يصعب التوسع في مواعيد العمل لتغطية المباريات التي تعرض فجرا، إذ ترتبط بها زيادة تكلفة العمالة الليلية واستهلاك المرافق وغيرها.
وفي النهاية يتجدد كل أربع سنوات نفس التساؤل، هل تبرر العوائد الحقيقية حجم الاستثمارات والرعاية الضخم أم أن الفيفا سيظل الرابح الأوحد خارج المستطيل الأخضر؟ وهل نشهد نسخة تاريخية بالمعنى الإيجابي حقا، أم سيكون لترامب وسياساته رأي آخر؟
مرتبط