تدعم مصر قطاع الزراعة بنحو 301 مليار جنيه، أو ما يعادل 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن هذا الدعم يفاقم أزمة المياه. هذه هي الخلاصة الرئيسية لتقرير(بي دي إف) صدر حديثا عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تزامنا مع مساعي الحكومة لتطبيق "الجيل الثاني لمنظومة المياه 2.0". صحيح أن الحلول الهندسية المقترحة مجدية بالفعل، لكن العوامل الاقتصادية ستمحو غالبية المكاسب المحققة، بحسب التقرير.
المشهد يمكن تلخيصه في جملة واحدة: الدولة تقدم للمزارعين أموالا تتسبب في هدر المياه والتربة، في وقت تنفق فيه مليارات الجنيهات للحفاظ عليهما. فقد انخفض نصيب الفرد من المياه المتاحة بمقدار النصف تقريبا منذ عام 1990، وتجاوزنا خط الفقر المائي المدقع البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويا. وبينما تقدم وزارة الموارد المائية والري حلولا من جانب العرض عبر مشروعات عملاقة مثل محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر، ترى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الأزمة الحقيقية تكمن في جانب الطلب.
لماذا يعد هذا مهما لاقتصادنا الأخضر؟ تصطدم كل مبادرات الاستدامة في قطاع الزراعة المصري، مثل الري بالتنقيط والزراعة الدقيقة ومعالجة ملوحة التربة، بنظام تسعير يكافئ السلوكيات المعاكسة. وهو ما يضع مستثمري التكنولوجيا الزراعية، وجهات الإقراض الأخضر، وموردي معدات الري الحديثة في مواجهة تيار تصنعه الدولة بنفسها.
مفارقة جيفونز: منطقيا، الري بالتنقيط يوفر المياه، لكن البيانات تثبت العكس. فعندما ترتفع كفاءة استخدام المياه على مستوى المزرعة، يتجه المزارعون إلى زراعة محاصيل أكثر استهلاكا للمياه وأعلى ربحية، ويتوسعون في الأراضي الهامشية، مما يقضي على تدفقات المياه المرتجعة التي كانت تغذي خزان المياه الجوفية في ظل نظام الري بالغمر. والنتيجة هي ري أكثر كفاءة، واستهلاك أكبر للمياه، وتغذية أقل لخزان المياه الجوفية.
الإفراط في استخدام الأسمدة: يتجاوز معدل استخدام الأسمدة النيتروجينية في مصر ثلاثة أمثال متوسط الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. إذ يستخدم مزارعو القمح نحو 139 كيلوجراما للفدان، وهو ما يتجاوز الإرشادات الحكومية بنسبة 85%. كما أن دعم الغاز الطبيعي يقلل من أسعار أسمدة النيتروجين المحلية. وإلى جانب تدني جودة مياه الري وتداخل مياه البحر، أدى الإفراط في استخدام الأسمدة إلى ارتفاع معدلات الملوحة في 35% من الأراضي المزروعة، وترتفع هذه النسبة إلى 60% في منطقة الدلتا.
ضريبة الأعلاف: سعيا لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الحبوب، تحافظ الدولة على الأسعار المحلية أعلى بكثير من نظيرتها العالمية. وتمثل الذرة الصفراء نحو 70% من مكونات أعلاف الدواجن والماشية. وكنتيجة مباشرة لهذه السياسة، يتحمل منتجو الألبان واللحوم والبيض المحليون تكاليف متضخمة للأعلاف. بعبارة أخرى، نحن نفرض ضرائب غير مباشرة على البروتين المحلي لدعم النشويات.
ست جهات تعمل في جزر منعزلة: تتولى وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي إدارة منظومتي الأسمدة والائتمان، بينما تدير وزارة الموارد المائية والري شبكات الترع والقنوات، وتتولى وزارة التموين والتجارة الداخلية تحديد أسعار المحاصيل. في المقابل، تدير الشركة القابضة للصناعات الغذائية المملوكة للدولة 36 شركة تابعة في مجالات التصنيع والطحن، بالإضافة إلى 40 ألف منفذ بيع بالتجزئة. كما يتوسع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة في قطاعات المدخلات الزراعية والمحاصيل الاستراتيجية. وهكذا، تمول إحدى الوزارات أنظمة الري بالتنقيط، بينما تحدد أخرى أسعارا لتوريد قصب السكر تدفع المزارعين لاستنزاف كل قطرة مياه ممكنة.
وتقترح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها عدة حلول، وهي:
- إلغاء دعم الأسمدة تدريجيا، وإعادة توجيه هذه المخصصات لدعم الدخل المباشر للمزارعين أو تقديم منح للابتكار في القطاع.
- فرض رسوم شاملة على استهلاك المياه تعتمد على نظام الحصص لتحفيز الترشيد، بحيث يحصل المزارعون الملتزمون بالحدود المستدامة على مكافآت مالية، بينما يدفع المتجاوزون "رسوم ندرة".
- دمج خدمات الإرشاد الزراعي وإدارة المياه، إذ يؤدي التعامل معهما ككيانين بيروقراطيين منفصلين إلى تقويض الكفاءة.