🧠 تحتفي الولايات المتحدة في مايو من كل عام بشهر التوعية بالصحة النفسية، ورغم غياب الاعتراف الرسمي بهذا التقليد في مصر، إلا أن أثره يظهر بوضوح في السياق المحلي الذي يستعير فيه معظم الأفراد مصطلحات غربية للتعبير عن الصحة النفسية. يطرح ذلك تساؤلا ملحا: إلى أي مدى تنجح اللغة والثقافة المحلية في استيعاب مفاهيم الصحة النفسية المستوردة من الغرب دون أن تفقد جوهرها الأصلي؟
ما الذي تغير في مشهد الصحة النفسية في مصر؟
لطالما واجه قطاع الصحة النفسية المحلي تحديات متعددة، من بينها الوصمة الاجتماعية والخرافات ونقص التمويل وضعف الوعي وارتفاع التكلفة. ورغم صعوبة القول إن النظرة المجتمعية تجاه الاضطرابات النفسية قد تغيرت بشكل جذري خلال العقدين الماضيين، إلا أنه يمكن ملاحظة تحولات تدريجية بدأت تتشكل على أرض الواقع.
تخضع خدمات الصحة النفسية في مصر إلى إشراف وزارة الصحة، من خلال الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان. وفي عام2009، صدر قانون الصحة النفسية الذي ركز على حماية حقوق المرضى داخل المؤسسات العلاجية، ووضع أطر تنظيمية تهدف إلى تعزيز الوعي ومكافحة الوصمة وضمان حقوق المتلقين للخدمة. في 2026، أعلنت وزارة الصحة عن مبادرة صحتك سعادة، والتي تهدف إلى تقديم خدمات متكاملة تشمل خطوط دعم ساخنة وبرامج للكشف المبكر، إلى جانب تدريب الكوادر الطبية على إدراج خدمات الدعم النفسي ضمن وحدات الرعاية الصحية الأولية للمرة الأولى.
ورغم التقدم التدريجي الذي شهده هذا الملف، لا تزال الوصمة الاجتماعية محيطة بقضايا الصحة النفسية، إذ ينظر إليها كثيرون باعتبارها عيبا قد ينعكس سلبا على فرص التوظيف والزواج وحتى بناء العلاقات الاجتماعية.
الجزء الملآن من الكوب: شهد الوعي بالصحة النفسية تحسنا ملموسا، يعود بدرجة كبيرة إلى محطات مفصلية خلال الـ 15 عام الماضية، في مقدمتها ثورة يناير 2011 وما تبعها من اتساع نطاق استخدام منصات التواصل الاجتماعي، خاصة مع وصولها إلى شرائح مجتمعية متنوعة، حسبما صرحت هالة محمود (لينكد إن)، أخصائية علم النفس الاجتماعي والأستاذة المساعدة في علم النفس بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، لإنتربرايز. ساعدت تلك التحولات على كسر الكثير من التابوهات، ما أتاح للمصريين الاطلاع على محتوى حول الصحة النفسية يقوده متخصصون من داخل مصر وخارجها.
سلاح ذو حدين: تمثل تبعات هذا التدفق المعلوماتي سلاحا ذو حدين، بحسب محمود، إذ ساهم من جهة في زيادة الوعي والطلب على خدمات الصحة النفسية، بينما ارتبط من جهة أخرى بارتفاع معدلات الضغوط النفسية لدى فئات من الشباب، بسبب الاستخدام المكثف لوسائل التواصل. كما شكلت الأزمات الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسي عوامل إضافية زادت من الهشاشة النفسية أمام هذه الضغوط المتراكمة.
ساعد هذا الانفتاح بلا شك في نشر الوعي، لكنه كشف في الوقت ذاته عن فجوات عميقة داخل نظام غير مهيأ لاستيعاب هذه المفاهيم. فبينما بدا التوجه نحو النماذج الغربية للدعم النفسي في البداية طوق نجاة، أثبتت التجربة أن أطر الصحة النفسية ليست قالبا واحدا يمكن تطبيقه بمعزل عن الخصوصية الثقافية.
تأثير السياق والثقافة
تواجه القيم والمفاهيم النفسية تحديا أكثر تعقيدا عند الترجمة، إذ تبرز الفجوة الكلاسيكية بين الثقافة الجمعية والفردية. في هذا السياق توضح هالة أن مفاهيم مثل الاستقرار النفسي والصحة النفسية والحياة المرضية تكتسب دلالات مختلفة تماما في السياق المصري مقارنة بالسياقات التي نشأت فيها هذه النماذج.
دائما ما كان عدم التوافق بين نماذج العلاج النفسي الوافدة والواقع المحلي موثقا في الأدبيات البحثية، إذ كشفت مراجعة أجريت عام2012 على 22 دراسة حول الصحة النفسية والاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن العوائق أمام ترجمة وتكييف التدخلات النفسية بفعالية بلغت 68%، مقابل 32% فقط للعوامل المساعدة.
عندما تخفق اللغة والأطر المعرفية في التعبير، تنعكس هذه الآثار جسديا. من أبرز الأمثلة الشائعة محليا، مرض القولون العصبي الذي يعد في كثير من الحالات عرضا متكررا لاضطرابات القلق. "بسبب الوصمة الاجتماعية وغياب لغة يومية قادرة على التعبير عن هذه المعاناة، تتحول الضغوط النفسية إلى أعراض جسدية، ما يدفع الأفراد في النهاية إلى طلب المساعدة الطبية لدى أطباء الباطنة والجراحة بدلا من المتخصصين في الصحة النفسية"، بحسب محمود، التي ترى أن انتشار أفكار مثل أن "السعادة مسؤوليتك الشخصية" أو "أنت من تقرر سعادتك" على منصات التواصل، يعكس في جوهره نماذج غربية بحتة في التفكير حول السعادة والرفاهية.
الصدام الثقافي
مناهج العلاج التقليدية في مصر تواجه صعوبة في تطبيق هذه التصورات، نظرا لتعارضها مع منظومة ثقافية راسخة تمنح الأولوية للأسرة والمجتمع على حساب الفرد وتحقيق الذات، إذ توضح محمود أن الفرد قد يجد نفسه غير قادر على السعي وراء طموحاته أو استثمار إمكاناته الكاملة بسبب التزامات أسرية، مثل رعاية الوالدين كبار السن. وفي مثل هذه الحالات، قد يصطدم مبدأ تقديم الذات أولا بالالتزامات والتوقعات الاجتماعية.
ينبغي على المعالجين النفسيين في مصر— الذين تدرب معظمهم على مفاهيم غربية — التعامل بحذر مع هذه الحساسية الثقافية، حسبما تؤكد، إذ تعتبر إحدى القواعد الأساسية في دعم الصحة النفسية هو عدم إلحاق الضرر، ما يعني أن التدخل العلاجي، رغم حسن نواياه، قد يصبح مؤذيا إذا تجاهل البنية الثقافية والاجتماعية التي تشكل حياة المرء. ومع انتشار قضايا مثل اضطرابات القلق، تطرح محمود أسئلة جوهرية حول كيفية تكييف هذه المفاهيم محليا وكيف يختبر الأشخاص القلق ويعبرون عنه في السياق المصري، إلى جانب أنماط طلب المساعدة الأكثر شيوعا في هذه الثقافة.
الأمر لا يقتصر على التباينات الثقافية فحسب، إذ تشير محمود من واقع عملها المباشر مع اللاجئين في المنظمات غير الحكومية في مصر، إلى أن الأفراد كثيرا ما يعيشون أسرى لظروف خارجة عن إرادتهم، وتضيف: "تؤثر الأزمة الاقتصادية بشكل مباشر على الصحة النفسية للمواطنين، لا سيما بين الفئات الأقل دخلا من الناحية الاجتماعية والاقتصادية".
ولكن.. هل المشهد قاتم بالكامل؟ لحسن الحظ لا، فبحسب محمود هناك ما يعرف بعوامل الحماية، إذ تتميز المجتمعات والأسر في مصر بقدر كبير من الترابط فيما بينها، ما يعني شعور معظم الأفراد بالانتماء إلى شبكات اجتماعية متماسكة تمثل عامل حماية ودعم، وهو ما تفتقر إليه بعض الثقافات الأخرى، خصوصا الغربية منها، التي تعلي من قيم الفردانية.
"للأسف، لا يأخذ نموذج العلاج النفسي السائد في مصر هذه الميزة بعين الاعتبار، إذ يركز في الغالب على الفرد بينما يهمل إشراك الأسرة والسياق الاجتماعي المحيط في العملية العلاجية، وهي عوامل لها القدرة على زيادة فرص التعافي بشكل ملحوظ"، حسبما ختمت محمود حديثها.