Posted inشركات

كيف نجت تريدلاين من عامين عجاف غابت خلالهما إمدادات آيفون المنتظمة؟

حُرمت شركة تريدلاين من الاستفادة من دورتين لإصدارات آيفون بسبب أزمة نقص العملة الأجنبية في مصر، لكنها تبيع الآن أجهزة آيفون في السوق المحلية في وقت مبكر لم تعهده من قبل. وشهدت أكبر شركة لتوزيع منتجات أبل في البلاد انخفاضا في إيراداتها بنسبة 58% بين عامي 2022 و2024، بعد أن تسببت التأخيرات في موافقات اعتماد النوع، والقيود على العملة، وتنامي السوق الموازية في إخراجها فعليا من المنافسة بمنتجها الأساسي لما يقرب من عامين.

تبرز ملامح التعافي حاليا بوضوح، إذ طرحت تريدلاين هاتف آيفون 17 في سبتمبر الماضي، أي قبل أسابيع من نافذة الإصدار المعتادة في أكتوبر ونوفمبر التي كانت تعمل وفقا لها منذ تأسيسها في عام 1993. وقال محمد مدحت، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، لإنتربرايز: "عدنا أقوى من ذي قبل".

يعطي طرح الهاتف في سبتمبر أوضح إشارة حتى الآن على عودة نظام الاستيراد إلى طبيعته. ونظرا إلى أن الشركة تعتمد على بيع منتجات علامة تجارية واحدة مثل أبل، فإن توقيت الحصول على موافقات اعتماد النوع لا يعد محض مسألة إجرائية، بل يأتي في صميم عملها. فقد وصل الهاتفان آيفون 14 وآيفون 15 إلى السوق المصرية بعد تأخير في الموافقات، التي امتدت في بعض الحالات حتى شهر أغسطس، ما أدى إلى تقليص النافذة التجارية للأجهزة الرائدة، التي يعتمد نجاحها في الأساس على طرحها تزامنا مع التوقيت العالمي للإصدار. ولذلك يعني وصول آيفون 17 إلى المتاجر في سبتمبر، أن تريدلاين تسبق الجدول الزمني الذي اتبعته تاريخيا. "أصبحت عملية اعتماد النوع الآن أسرع من أي وقت مضى"، وفقا لمدحت.

ما هي موافقة اعتماد النوع؟ تعد موافقة اعتماد النوع بمثابة بوابة عبور تنظيمية لهواتف آيفون، قبل بيعها في مصر. يدير هذا الإجراء الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، ويمثل فحصا إلزاميا يجب أن تجتازه كل قطعة من المعدات التي تحتوي على مكون اتصالات قبل السماح باستيرادها أو تصنيعها أو تجميعها في البلاد. وتبقى أجهزة آيفون وآيباد وماك الجديدة محتجزة في المنافذ الجمركية حتى صدور شهادة الجهاز، ولذا فإن سرعة إنجاز هذه الخطوة هي التي تحدد تزامن الإصدارات مع الدورة العالمية أو التأخر عنها لأسابيع.

تطلبت سنوات الأزمة سياسة مختلفة. بداية من منتصف عام 2022 حتى منتصف 2024، ومع تراجع إمدادات آيفون، دخلت تريدلاين في "وضعية البقاء"، بحسب وصف مدحت خلال مقابلته في فقرة رائد الأسبوع مع إنتربرايز العام الماضي. توقف التوظيف تماما، وأعيدت هيكلة قاعدة التكاليف من الصفر. وأغلقت الشركة متجرين من أصل 25 متجرا مخصصا لمنتجات أبل. قال مدحت إنه تعمد الاكتفاء بإغلاق عدد محدود من المتاجر، لأنه كان يراهن على تعافي الاقتصاد وعلى جدوى الحفاظ على الوجود الفعلي للشركة في السوق، التي ستفوق قيمتها قيمة الوفورات قصيرة الأجل. وأضاف: "لم نرغب في خسارة وجودنا الرئيسي في السوق".

مع إعادة التموضع وفقا للظروف الراهنة للسوق، تحول التركيز نحو العملاء الأقل تأثرا بتقلبات قطاع التجزئة. فأصبح مشترو أجهزة ماك وآيباد من الشركات والمؤسسات والمدارس هم مصدر الطلب الذي استندت إليه تريدلاين، بدلا من الاعتماد على المستهلكين الأفراد في ظل تذبذب توافر أجهزة آيفون.

"بدأنا زيادة التركيز على مبيعات الشركات؛ لأن هذه الجهات تستخدم هذه الأجهزة بكثافة تفوق المستهلك الفردي"، وفق ما قاله مدحت. ولم يكن هذا التحول تغييرا استراتيجيا جذريا بقدر ما كان إدراكا بالحقيقة التي تقول إن الطلب في قطاع الأعمال أقل تأثرا من الناحية الهيكلية بصدمات أسعار الصرف مقارنة بطلب المستهلكين الأفراد.

وفرت تريدلاين أيضا أداة للتحوط ضد مخاطر الاعتماد على علامة تجارية واحدة. فقد افتتحت خلال الأزمة سلسلة تجزئة متعددة العلامات التجارية تحت مظلة تريدلاين تسمى إكسبرس، وتبيع الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية المجمعة محليا من شركات أخرى غير أبل.

يبدو أن الرهان على هذه الأداة كان ناجحا؛ فقد استحوذت إكسبرس على 25-30% من إيرادات المجموعة خلال ذروة أزمة اختناقات الاستيراد. ومع عودة إمدادات أبل إلى طبيعتها، استقرت هذه الحصة بالقرب من 15%. وأصبحت هذه الفئة حاليا سمة هيكلية في نموذج الأعمال، وليست مجرد خطة طوارئ؛ مما يعكس إدراكا بأن مخاطر التركز في علامة تجارية واحدة كانت نقطة ضعف لن ترغب تريدلاين في تكرارها.

يمثل التمويل أداة أخرى لتسهيل الشراء، بيد أنه يصعّب قياس القدرة الشرائية للمستهلكين. فقد أصبح التمويل للشراء بالتقسيط ركيزة أساسية في قطاع التجزئة بالنسبة للإلكترونيات الفاخرة في مصر، حيث أدى ارتفاع التضخم وضعف الجنيه أمام الدولار، إلى رفع أسعار هواتف آيفون برو إلى مستويات تتجاوز قدرة معظم أسر الطبقة المتوسطة على شرائه نقدا.

يغير هذا النظام أيضا نوعية مشتريات العملاء، وليس فقط قرار الشراء من عدمه، حسبما أشارت إليه شركة فاليو، الشريك التمويلي لشركة تريدلاين. "قد يدخل العميل الفرع لشراء آيفون 15، لكنه يختار طراز برو عندما يصبح الفارق بضع مئات من الجنيهات فقط شهريا"، وفق ما قالته رئيسة قطاع النمو في فاليو دينا شلبي. ويتلخص التأثير الحاصل في مثل هذه الترقيات التي يفضلها العملاء في ديناميكية تفضيل المنتجات الأعلى قيمة، وهذا يضاعف من تأثير حجم المبيعات، أي أن التمويل لتقسيط المنتجات لا يوسع شريحة المشترين فحسب، بل يدفع الشريحة الحالية نحو شراء منتجات ذات هوامش ربح أعلى.

رفض مدحت تحديد نسبة مبيعات تريدلاين الحالية عبر أنظمة التقسيط، مكتفيا بالقول إنها "تتقلب من شهر لآخر بناء على قوة العروض". ويمثل هذا التحفظ في حد ذاته رسالة تقول إن تمويل التقسيط أصبح بالغ الأهمية لدرجة أن الكشف عن أرقامه هو بمثابة إفشاء معلومات تنافسية.

خرجت تريدلاين من الأزمة بمزيج أعمال أكثر تنوعا؛ إذ باتت مبيعات الشركات تسهم بدور أكبر، وأصبح نموذج المبيعات متعدد العلامات التجارية يمتص مخاطر التركز، فيما صارت عمليات تمويل التقسيط جزءا هيكليا في عروض المستهلكين. المفارقة أن هذه العناصر لم تكن جزءا من الاستراتيجية في عام 2021، لكنها أصبحت الاستراتيجية بأكملها الآن. "في كل مرة نمر فيها بهذه الأزمات، نتعلم مهارات جديدة. ونخرج أقوى، مكتسبين مهارات أكثر مما كانت لدينا عندما دخلناها"، وفق ما قاله مدحت.

ماذا بعد؟ يمثل إطلاق آيفون 17 في سبتمبر الماضي اختبارا حقيقيا لاستمرار وتيرة التشغيل الجديدة. وإذا ظل توقيت الموافقات ثابتا خلال الإصدار المقبل، فإن سردية التعافي ستبرهن صحتها لتعود تريدلاين إلى مسار التوسع. فقد أشار مدحت إلى وجود خطط لافتتاح متاجر جديدة. أما إذا تراجعت الموافقات مرة أخرى مع طرح آيفون 18، سيوضع التنوع المشيد خلال سنوات الأزمة قيد الاختبار، لأنه صار الآن أكثر من مجرد أداة للتحوط.