Posted inفنجان قهوة مع

فنجان قهوة مع أدهم أبو زيد: لماذا لا تؤتي معظم مشاريع الذكاء الاصطناعي ثمارها؟

فنجان قهوة مع أدهم أبو زيد، العضو المنتدب والشريك في الذراع التكنولوجية لمجموعة بوسطن الاستشارية: تعمل "بي سي جي إكس"، ذراع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتطوير البرمجيات التابعة لمجموعة بوسطن الاستشارية، على تسريع وتيرة توسعها في مصر، بالتزامن مع تسابق الشركات لتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي وإعادة هيكلة نماذج أعمالها. ويقود هذه الجهود أدهم أبو زيد (لينكد إن)، العضو المنتدب والشريك في "بي سي جي إكس" ومجموعة بوسطن للاستشارات عالميا، الذي عاد إلى مصر قبل أربع سنوات بعد أن ساهم في تأسيس أعمال الشركة في الدار البيضاء. التقت إنتربرايز أبو زيد للحديث عن الإمكانات التي تتمتع بها مصر في مجال الذكاء الاصطناعي، ولماذا لا تزال أغلب الشركات تواجه صعوبات في تحقيق قيمة ملموسة من هذه التقنيات، وكيف سيتعين على المؤسسات إعادة النظر في طرق إدارة أعمالها في عصر الذكاء الاصطناعي. إليكم مقتطفات محررة من المقابلة:

إنتربرايز: ما هي "بي سي جي إكس" وكيف تختلف عن خدماتكم الأخرى؟

أدهم أبو زيد: قبل نحو 10 إلى 12 عاما، أسست مجموعة بوسطن للاستشارات "بي سي جي إكس" لتكون قسما متخصصا في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من داخل الكيان الاستشاري لتلبية الاحتياجات المتزايدة للعملاء. وتضم الشركة نخبة من المهندسين، وعلماء البيانات، ومطوري البرمجيات، والمصممين. ومؤخرا، قررنا تسريع نمو عمليات الشركة في مصر على صعيدي التوظيف وخدمة العملاء.

عادة ما تعمل مجموعة بوسطن الاستشارية و"بي سي جي إكس" جنبا إلى جنب. إذ إن وجود مستشار من المجموعة يضمن توافق ما تبنيه "بي سي جي إكس" مع الرؤية والاستراتيجية وأهداف خلق القيمة الخاصة بالشركة، ويحول دون حدوث أي فجوة، وهو أحد المخاطر الكبرى في مثل هذه الاستثمارات.

إنتربرايز: هل يقتصر الأمر على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي فقط؟

أبو زيد: يختلف نموذج عملنا عن موردي البرمجيات التقليديين؛ فنحن نعمل على ابتكار حقوق ملكية فكرية في المجالات التي تفتقر إليها. وتعد كل مشاريعنا تقريبا الأولى من نوعها، إذ تكون البرمجيات المطلوبة إما غير موجودة أساسا، أو أن احتياجات العميل تتطلب حلولا مصممة خصيصا ويصعب تلبيتها عبر الحلول القياسية.

نندمج داخل فرق عمل العملاء، ونطور مهاراتهم، وننمي مواهبهم. وما نفعله هو أننا نبتكر حقوق الملكية الفكرية بالتعاون مع فرقهم، بدلا من تطويرها داخليا ثم تسليم المنتج النهائي الجاهز للاستخدام إليهم. فهم يشاركوننا في البناء، ويتبنون الحلول، ويتولون تشغيلها لاحقا. لذا، يعد بناء القدرات والمواهب أحد أهم مميزاتنا التنافسية.

إنتربرايز: ما هي القطاعات الأكثر استفادة من حلول الذكاء الاصطناعي المصممة خصيصا؟

أبو زيد:باختصار، يمتلك كل قطاع إمكانات هائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، ليس فقط لاستهلاك التقنية، ولكن لابتكار تطبيقات مخصصة. وتبرز الخدمات المالية، لا سيما البنوك، في مقدمة هذه القطاعات، إلى جانب السفر والسياحة والبنية التحتية والعقارات والسلع الصناعية.

إنتربرايز: لماذا اخترتم تسريع عمليات "بي سي جي إكس" في القاهرة الآن؟

أبو زيد: مصر تمتاز بالفرصة المتاحة لبناء حقوق ملكية فكرية جديدة وعالمية المستوى وتحقيق اختراقات تقنية. لا يقاس مؤشر الأداء الرئيسي الخاص بي عن طريق حجم الفريق أو الإيرادات، بل يقاس بخلق قصة نجاح قائمة على حقوق ملكية فكرية معترف بها عالميا. وتعد تركيبة الشركات المصرية، التي تخوض رحلة تحول رقمي، مقترنة بالمواهب ذات الطراز العالمي التي نوفرها عبر "بي سي جي إكس"، هي المعادلة الرابحة.

إنتربرايز: بم تنصحون الشركات التي تعين موظفين مبتدئين مع استخدام الذكاء الاصطناعي، ولكن ليس كطريق مختصر لخفض التكاليف؟

أبو زيد: سأجيب من واقع خبرتي في الأسواق الناشئة. كل شركة في مصر تواجه حتمية النمو. ورغم وفرة المواهب، فإن عمليات التوظيف مهما بلغت وتيرتها لن تكفي وحدها لتحقيق مستهدفات النمو. وفي وضعنا الحالي، تعد تحسينات الإنتاجية هي ما تغذي النمو، وليس تحقيق وفورات في الأرباح الصافية من خلال تقليص وظائف المبتدئين.

تحتاج كل شركة لتحقيق نمو يتجاوز 10% لضمان بقائها. فعندما نبني دراسات جدوى للذكاء الاصطناعي مع عملائنا، يكمن الهدف في تغذية محرك النمو.

إنتربرايز: كيف يختلف مسار تبني الذكاء الاصطناعي في الأسواق الناشئة؟

أبو زيد: البيانات هي العامل الأول. فهي موجودة، لكنها مجزأة داخل المؤسسات، ومخزنة بتنسيقات ولغات مختلفة. ثمة حاجة لجهود كبيرة لتصنيف البيانات — وتحديد البيانات بالغة الحساسية والأهمية، أو ما تندرج ضمن معلومات التعريف الشخصية، أو البيانات الأقل حساسية — مع وضع سياسة واضحة لكل فئة. ومن خلال تطبيق الضوابط الأمنية السليمة ووضع سياسات واضحة تحدد ما يُسمح به عبر الخوادم المحلية أو السحابة أو في الأوامر الموجهة للنماذج اللغوية الكبيرة، يصبح الطريق ممهدا لتسريع وتيرة تبني هذه التقنيات.

يتمثل العامل الثاني في الإمكانات. إذ تتمتع الأسواق الناشئة بإمكانات عالية من ناحية المواهب يزعم البعض أن المواهب أصبحت تفتقر للاستقرار ويمكنها العمل عن بعد، وهذا صحيح. لكن العمل على مشاريع رائدة ومتطورة داخل بلدك لا يقدر بثمن. وهذا يمثل محركا أساسيا لتبني التقنية.

إنتربرايز: هل تتعامل الشركات مع الذكاء الاصطناعي كحل سحري؟

أبو زيد: أفادت 5% فقط من الشركات بتحقيقها عوائد واضحة على مستوى الأرباح الصافية بفضل الذكاء الاصطناعي، وفق ما كشفه تقرير حديث أصدرته "بي سي جي إكس" تحت عنوان "الفجوة المتسعة لقيمة الذكاء الاصطناعي".

يكمن التحدي في أن الذكاء الاصطناعي يتطلب تحولا جذريا في العمليات الأساسية. يعني هذا إعادة تصور وهندسة العمليات، وهو أمر بالغ الصعوبة بسبب الأنظمة القديمة والقيود التنظيمية. أنت لا تغير العمليات فحسب، بل تغير الهيكل التنظيمي أيضا، وحجم العمالة، والحوافز، ومؤشرات الأداء الرئيسية، والحوكمة، والضوابط الرقابية؛ إذ إن المعادلة واضحة: 10% للخوارزميات والهندسة، و20% للبيانات والبنية التحتية التكنولوجية، و70% للتحول المؤسسي. وهذا ما يجعل الأمر صعبا.

إنتربرايز: لقد تجاوزنا المرحلة التي يدرك فيها القادة إمكانات الذكاء الاصطناعي. فما هي المفاهيم الرئيسية التي ينبغي لقادة الأعمال اليوم إدراكها بشأن الذكاء الاصطناعي؟

أبو زيد: في يومنا هذا، يضم هيكلك التنظيمي أفرادا وفرق عمل. أما غدا، فسيضم فرق عمل ووكلاء ذكاء اصطناعي. وهؤلاء يأتون بأعبائهم أيضا، مثل البشر تماما. لا يعمل وكلاء الذكاء الاصطناعي مجانا. قد لا يتقاضون رواتب، لكنك تدفع مقابل الرموز (tokens)، أو تكاليف واجهة برمجة التطبيقات، أو البنية التحتية. فكل طلب له تكلفته المادية، وأحيانا يكون له أيضا انبعاثات كربونية واستهلاكا للمياه،. فهذا علم جديد يدخل المؤسسة، في ظل وجود مئات من وكلاء الذكاء الاصطناعي.

وهناك أيضا حاجة إلى مراعاة معايير الجودة والجوانب الأخلاقية. فمثلا هل يمكنك الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التوظيف؟ إنه سؤال صعب. تتزايد السياسات التنظيمية، لكنك قد تستنسخ تحيزات تتطلب حوكمة دقيقة. فكيف ستراقب ذلك؟ وهناك أيضا الجانب الأخير المتمثل في المخاطر السيبرانية. فكلما زاد تبنيك للتكنولوجيا ونشرك لحلول الذكاء الاصطناعي الموجهة للعملاء، اتسعت مساحة انكشافك وزادت إمكانية تعرضك للهجمات.

إنتربرايز: مع تزايد وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي، هل سنستمر في الحديث عن "استراتيجية الذكاء الاصطناعي" أم مجرد "الاستراتيجية"؟

أبو زيد: يتطور الأمر، ويصبح جزءا من الحياة، وعنصرا معززا للمؤسسة. إنه يتحول ليصبح استراتيجيتك. لقد حدث هذا من قبل بوتيرة أبطأ مع التقنيات الرقمية. أما الآن، فهو يحدث بوتيرة متسارعة للغاية. لا تزال بحاجة لتخطيط الحوكمة، والامتثال، وإدارة المواهب، وعرض القيمة، والرؤية، والأخلاقيات. لكن التخطيط على غرار العصر الرقمي، عبر خارطة طريق مدتها ثلاث سنوات، لم يعد مجديا. لقد تحول الأمر إلى تخطيط في ظل حالة من عدم اليقين. وهذا ما يجعلنا نقول للعملاء إن تخصيص شهور لصياغة استراتيجية للذكاء الاصطناعي وإصدار وثيقة بذلك، يحمل قيمة محدودة؛ لأنه بحلول وقت الانتهاء منها، ستكون الأمور قد تغيرت بالفعل.

إنتربرايز: هل تمثل "بي سي جي إكس" مستقبل قطاع الاستشارات؟

أبو زيد: تعد "بي سي جي إكس" فريقا ونموذجا خاصا للخدمات. نحن لا نصدر وثائق أو عروضا تقديمية، بل ننتج منتجات وأكواد، وبرمجيات. نعمل على تخوم التكنولوجيا، ونخدم شركات رائدة عالميا مثل أمازون ويب سيرفيسز وفوكسكون.

يعيد الذكاء الاصطناعي أيضا تشكيل طريقة عمل المستشارين. فاليوم، يعمل المستشارون بطريقة مختلفة كليا عما كانوا عليه قبل عام أو عامين، مع ضخ استثمارات ضخمة من أجل الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي. لا يزال الحكم البشري واستراتيجيات الأعمال من العناصر الأساسية، لكن التوقعات المتعلقة بالإنتاجية، والسرعة، والمخرجات أصبحت أعلى بكثير.