Posted inبعد الخامسة

حرب الليجو: هل تقلب السخرية الرقمية موازين القوى الإعلامية بين طهران وواشنطن؟

📱 بعد أيام قليلة من سقوط أولى القذائف على طهران، ظهرت على منصات التواصل فيديوهات غريبة مولدة بالذكاء الاصطناعي ومستوحاة من عالم ليجو. لم تجذب هذه الفيديوهات الساخرة الكثير من الانتباه ولم يتساءل أحد عن مصدرها، ولكن مع تفاقم الأحداث أصبح من الصعب تجاهلها، إذ رصدت كل تطور جديد في الصراع بسرعة فائقة وسخرية لاذعة.

برزت هذه المقاطع الآن كأداة بروباجندا رئيسية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ما يمثل نقطة تحول في التواصل السياسي خلال عصر الذكاء الاصطناعي.

البروباجندا في عصر الذكاء الإصطناعي

تسخر هذه الفيديوهات بشكل أساسي من القيادة الأمريكية والإسرائيلية والعمليات العسكرية، إذ تجسد شخصية دونالد ترامب بأسلوب الليجو، وهو يتعرض للمراوغة من قبل الطائرات الإيرانية المسيرة، أو يواجه خسائر في الداخل وفي ساحة المعركة أو حتى تلتهمه النيران حرفيا، ما يصور الولايات المتحدة في حالة من الفوضى.

ويقف وراء هذا النوع الجديد من المحتوى السياسي نشطاء رقميون داعمون لإيران، إذ تستخدم شبكة من المبدعين الإيرانيين الشباب والمطلعين على أحدث التقنيات — والذين ينشرون محتواهم في الأساس تحت اسم إكسبلوسيف ميديا — أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج ما يعرف باسم " سلوباجندا "، وهو مصطلح يجمع بين المحتوى العشوائي الناتج عن الذكاء الاصطناعي (السلوب) والبروباجندا. تنتج هذه الفيديوهات بوتيرة لم يكن يتخيلها المصممون الرقميون سابقا، وذلك بهدف السخرية من الإدارة الأمريكية.

سلاح إيران الحديث

من يقف وراء إكسبلوسيف ميديا؟ بينما لا تزال الهوية الحقيقية لمعدي هذا المحتوى مجهولة وعلاقتهم بالحكومة الإيرانية غير واضحة، بدأ هؤلاء في التصريح لوسائل الإعلام العالمية بأنهم يعملون بشكل مستقل، مع الإشارة إلى أن الحكومة قد تكون أحد عملائهم. وفي مقابلاتهم الإعلامية، يظهرون بصورة مظلمة لا تفصح عن هويتهم وهم يتحدثون بالفارسية.

عند سؤالهم حول مدى دقة محتواهم، أجاب أحد القائمين على المحتوى والذي يطلق على نفسه مستر إكسبلوسيف قائلا: "إن 13% فقط ما يقوله ترامب يستند إلى حقائق، وإذا كانت الإدارة الأمريكية الحالية لديها علاقة مشكوك فيها مع الحقيقة، فلماذا لا نفعل نحن الأمر ذاته"، حسبما جاء في مقابلة مع بي بي سي.

هل نحن أمام نمط جديد من التواصل السياسي؟ يبدو كذلك، إذ نجحت هذه المجموعة في ابتكار لغة تواصل تلقى صدى واسع لدى الجمهور الغربي في حقبة ترامب، إذ تركز بعض مقاطع الفيديو على التكلفة البشرية للصراع عبر تصوير دمار المدن، وهو ما يعتبره الراصدون أسلوبا قد يفوق المشاهد الواقعية تأثيرا في استمالة الرأي العام وإبراز التبعات الكارثية للضربات الأمريكية.

هذا ما جنته يداك: انتقلت ظاهرة التصيد الرقمي — التي نشأت في الفضاءات الإلكترونية الشعبية منذ أكثر من 15 عاما — إلى صلب السياسة العالمية، بالتزامن مع صعود ترامب، حسبما أوضحت أستاذة أخلاقيات الإعلام بجامعة أوريجون، ويتني فيليبس، التي ترى أن هذا الأسلوب أصبح اللغة التي يتقنها ترامب، والوسيلة التي بات يعتمدها قادة العالم في خطاباتهم معه.

العين بالعين والميم بالميم

تتمتع إدارة ترامب بخبرة واسعة في لغة المميز، إذ تنشر حساباته الرسمية باستمرار صورا وفيديوهات غريبة مولدة بالذكاء الاصطناعي، تتداخل أحيانا مع لقطات من ألعاب الفيديو، بحسب تقرير ذا نيويوركر. كما يعرض على ترامب يوميا مقطع فيديو مدته دقيقتان يوثق الضربات الناجحة على إيران لإبقائه على اطلاع بآخر مستجدات الحرب، ويعزى نجاح فيديوهات الليجو، في جزء منه، إلى قدرتها على محاكاة الخطاب السياسي السائد حاليا والهبوط إلى ذات المستوى الذي وصل إليه.

تحول جذري في استراتيجية التواصل الإيرانية: يعد هذا الأسلوب تطورا حديثا بالنسبة لإيران، إذ برز جيل جديد من صانعي المحتوى في الحرس الثوري الإيراني، أصغر سنا وأسرع استجابة وأقل رهبة من الولايات المتحدة، وفقا لما قالته الباحثة الأنثروبولوجيا في الثقافة الإيرانية، نرجس باجوجلي، لمجلة نيويورك. "لم تتلاش النبرة الوقورة التي ميزت جيل الحرب الإيرانية العراقية تماما، إذ لا تزال حاضرة في الاحتفالات الرسمية والتلفزيون الحكومي، لكنها لم تعد السائدة في تواصل إيران مع العالم الخارجي، إذ حلت محلها لغة جديد نجحت في الوصول إلى ملايين الأشخاص الذين لم يكونوا يفكروا يوما في متابعة أي محتوى صادر عن الجمهورية الإسلامية".

تثير هذه الظاهرة الرقمية حالة من القلق لدى الدوائر المؤسسية في الولايات المتحدة، فبينما علقت منصة يوتيوب مؤخرا حساب إكسبلوسيف ميديا بدعوى نشر محتوى عنيف، لا تزال فيديوهات المجموعة تحصد ملايين المشاهدات عبر تطبيقات مثل تيليجرام وإنستجرام ومنصة إكس.

"يشارك أمريكيون لا يملكون أدنى معرفة أو اهتمام بالشأن الإيراني مقاطع فيديو أنتجت في طهران مع متابعيهم، بينما تتضمن التعليقات عبارات مثل إيران تحارب من أجلنا جميعا"، بحسب باجوجلي، مؤكدة أن هذه الفيديوهات تنجح في ملامسة قضايا الجمهور المستهدف مباشرة، سواء كان مواطنا في أوهايو يشعر بالحنق تجاه ملفات إبستين، أو شخصا في عمان يتابع أحداث غزة منذ أكثر من عامين.

السلوباجندا والدبلوماسية اللامركزية: يعكس ظهور السلوباجندا حقبة جديدة من الدبلوماسية الدولية اللامركزية، إذ يكشف بزوغ هذه الفيديوهات السياسية المولدة بالذكاء الاصطناعي، ونجاحها في تجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية والبيانات الصحفية، عن ملامح مستقبل تزداد فيه قدرة الفاعلين من غير الدول على توجيه الرأي العام لحظيا، عبر أسلوب السرد القصصي المعزز بالذكاء الاصطناعي.

** لقراءة القصة كاملة مصحوبة بكل الروابط، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى **