Posted inاقتصاد

الاحتياطيات المالية القوية تمنح الحكومة مرونة أكبر في مواجهة تداعيات حرب الخليج

دخلت مصر أزمة الخليج وهي تتمتع بأقوى احتياطيات خارجية منذ سنوات، وفق بيان ميزان المدفوعات (بي دي إف) الصادر عن البنك المركزي المصري.انخفض عجز الحساب الجاري لمصر بنسبة 13.6% إلى 9.5 مليار دولار في النصف الأول من العام المالي الحالي 2026/2025، مقارنة بـ 10.9 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام المالي الماضي، وجاء هذا التراجع مدفوعا بشكل أساسي بالقفزة القوية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وارتفاع الفائض في ميزان الخدمات، بفضل زيادة إيرادات السياحة وقناة السويس، بالإضافة إلى عودة الاستثمارات الأجنبية.

لماذا تكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة؟ تعد بيانات ميزان المدفوعات للنصف الأول بمثابة قراءة في الماضي؛ إذ أوضح البنك المركزي في ملاحظة على الهامش أن هذه الأرقام تغطي "فترة ما قبل اندلاع الحرب في المنطقة". ومع ذلك، تظل هذه البيانات حاسمة لفهم الأسباب التي منحت الحكومة "مساحة للمناورة" وامتصاص الصدمة عند وقوعها.

التحويلات تقود التحسن: قفزت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنحو 29.6% على أساس سنوي لتسجل 22.1 مليار دولار في النصف الأول من العام المالي الحالي، لتمثل الداعم الأكبر للحساب الجاري. وارتفعت إيرادات السياحة بنسبة 17.3% لتبلغ 10.2 مليار دولار، فيما زادت إيرادات قناة السويس بنسبة 19% لتصل إلى 2.2 مليار دولار.

تحمل ثقة المستثمرين أهمية هي الأخرى؛ فقد تحولت استثمارات المحافظ من صافي تدفقات خارجة بلغت 3.2 مليار دولار في الفترة ذاتها من العام السابق، إلى صافي تدفقات داخلة بقيمة 5.0 مليار دولار. ويمثل هذا التحول في الأرقام مؤشرا قويا على مدى تحسن النظرة تجاه مصر، قبل أن تؤدي الصراعات الإقليمية إلى تراجع شهية المخاطرة في الأسواق الناشئة. كذلك سجل الاستثمار الأجنبي المباشر 9.3 مليار دولار، مدفوعا بصفقة الديار القطرية في مشروع رأس الحكمة البالغة 3.5 مليار دولار خلال الربع الأخير من عام 2025، إلى جانب الاستثمارات الجديدة والأرباح المحتجزة.

فلماذا اتسع العجز الكلي في ميزان المدفوعات؟ قد يبدو الرقم الرئيسي — وهو عجز بقيمة 2.1 مليار دولار صعودا من 502.6 مليون دولار — مثيرا للقلق إذا قُرئ بمعزل عن سياقه، لكن الواقع أن معظم هذا التحول نتج عن تكوين البنوك المصرية أصول أجنبية في الخارج بقيمة 9.7 مليار دولار. ويرى البنك المركزي أن هذا التوجه، بالتزامن مع انخفاض الاقتراض الخارجي الجديد، يقدم دليلا على تراجع الاعتماد على التمويل الخارجي؛ فبدلا من السحب من خطوط الائتمان الأجنبية، كان النظام المصرفي يكون احتياطيات خاصة به.

النقطة الأهم: تظل نقاط الضعف هيكلية وليست عارضة؛ فقد اتسع عجز الميزان التجاري البترولي ليصل إلى 8.9 مليار دولار (صعودا من 6.7 مليار دولار) مع زيادة واردات مصر من الغاز الطبيعي والنفط الخام. ومع أن جزءا كبيرا من هذه الواردات يذهب لإعادة التصدير (خاصة الغاز)، فلا يزال هذا يمثل عجزا في نهاية المطاف. وفي الوقت نفسه، نما عجز الميزان التجاري غير البترولي بواقع ملياري دولار ليصل إلى 22.8 مليار دولار، إذ تجاوز نمو واردات السيارات والذرة وفول الصويا والإلكترونيات حجم الزيادة في صادرات الذهب والأجهزة المنزلية والملابس. كما ارتفعت مدفوعات دخل الاستثمار — وهي تكلفة خدمة رأس المال الأجنبي — بنسبة 7.7% لتصل إلى 9.9 مليار دولار. ولا تعد أي من هذه الثغرات جديدة، لكنها تؤكد مدى اعتماد تحسن الأرقام على الدخل من التحويلات والخدمات، بدلا من التنافسية التجارية الحقيقية.

الخلاصة: نجحت التحركات السياسية القوية العام الماضي في بناء احتياطيات صلبة للحكومة قبيل اندلاع الحرب، فضلا عن أن الاستمرار في هذا النهج منذ ذلك الحين (لا سيما النهج القائم على الالتزام بعدم التدخل في سعر صرف الجنيه) قد عزز من مصداقيتنا أمام المجتمع الدولي. ويكمن المفتاح الآن في مواصلة هذا المسار، أملا في نهاية سريعة للحرب في الخليج.