🌔 أربعة علماء، سفينة فضائية، مهمة واحدة: الانطلاق من الأرض والدوران حول القمر ثم العودة من جديد. في اللحظة التي نكتب فيها هذا التقرير، تسبح مهمة أرتميس 2 في الفضاء في طريق العودة إلى الأرض بحلول بعد غد السبت بعد رحلة تستغرق 10 أيام، يعود فيها البشر إلى القمر بعد أكثر من خمسين عاما على مهمة أبولو 17.

وفيما يعتبر البعض هذا المشروع العالمي حدثا للتاريخ، يراه آخرون استعراضيا يكلف مليارات الدولارات، ولكن الأكيد أنه يكشف التباين الهائل في كيفية تعامل دول العالم والمنطقة مع اقتصاد الفضاء العالمي، في ظل بروز الحديث عن الاقتصاد القمري.

عودة إلى القمر

هدف هذه المهمة بسيط: جس نبض القمر. فإلي جانب إلقاء نظرة على جانبه الخفي الذي لا نراه أبدا، تهدف المهمة إلى إرسال مجموعة من رواد الفضاء في رحلة حول القمر دون الهبوط عليه، لاختبار الأنظمة الحيوية والتقنيات اللازمة قبل تنفيذ عمليات الهبوط البشري في المهام اللاحقة.

رغم ما تكتسبه المهمة من زخم كونها أول رحلة مأهولة ضمن برنامج العودة إلى القمر منذ عقود، فإنها تتجاوز كونها مناورة تكنولوجية استعراضية، لتمثل خطوة نحو بناء الاقتصاد القمري الناشئ، والذي يشمل الأنشطة التجارية والمالية المرتبطة بإنتاج واستخدام وتبادل الموارد والخدمات على سطح القمر وفي مداره، وكذلك انعكاساتها الاقتصادية على كوكب الأرض.

خيرات القمر كثيرة: يتجاوز هذا المفهوم الاستكشاف العلمي البحت ليؤسس لنظام بيئي تجاري متكامل، يرتكز على النقل الفضائي وتسويق البيانات القمرية واستخراج الموارد، مثل الجليد المائي لتحويله إلى أكسجين وهيدروجين كوقود للصواريخ لتمهيد الطريق نحو الفضاء العميق، إلى جانب التعدين الفضائي لاستخراج معادن نادرة وتحديدا نظير الهيليوم 3، الذي يمثل كنز خام شديد الندرة يتزايد الطلب عليه عالميا باعتباره وقود المستقبل النظيف.

ولأن العائد على الاستثمار يحتاج إلى طولة بال ووقت وتكلفة وينطوي بالطبع على مخاطر، توظف واشنطن اتفاقيات أرتميس — المعلن عنها لأول مرة في 2020 — كآلية لتقاسم الأعباء المالية وتكاليف التطوير مع حلفائها مثل كندا والمملكة المتحدة واليابان وأستراليا، وضمان وضع القواعد المنظمة للتجارة وحقوق استخراج الموارد في الفضاء، تعزيزا لموقعها الجيوسياسي والتجاري في مواجهة التحالفات الفضائية المنافسة بقيادة الصين.

سباق أمريكي صيني: تتصدر الولايات المتحدة والصين سباق الاقتصاد القمري في مساعي السيطرة عليه، إذ تقود واشنطن السباق عبر برنامج أرتميس، والذي يستهدف العودة المأهولة للقمر وتأسيس وجود بشري مستدام. في المقابل، تسرع بكين الخطى من خلال برنامج تشانج إي، الذي تخطط من خلاله لإرسال مهمة روبوتية إلى القمر للبحث عن المياه بحلول نهاية العام الجاري، فيما تعمل على إنشاء محطة أبحاث قمرية دولية بحلول عام 2030.

إلى جانب بكين وواشنطن، تسعى قوى أخرى لحجز موقع استراتيجي في سلسلة التوريد الفضائية، من بينها وكالة الفضاء الأوروبية والهند واليابان وروسيا، فضلا عن دول إقليمية مثل الإمارات التي انضمت مبكرا إلى قائمة الدول الموقعة على اتفاقيات أرتميس.

أين تقع مصر من كل ذلك؟

بنية تحتية فضائية: لم يعد الفضاء مجرد ذلك المجهول المثير للاستكشاف، بل تحول إلى بنية تحتية ضرورية للدول. هذا التحول قد انعكس في السياسة المصرية، فبينما وقعت الإمارات والسعودية والبحرين وعمان، ضمن 61 دولة، على اتفاقيات أرتميس الأمريكية، لربط برامجها الفضائية بالإطار التنظيمي الأمريكي، سلكت مصر مسارا مختلفا، إذ تركز استثماراتها على البنية التحتية العملية في المدار الأرضي المنخفض، مستفيدة من الشراكات المتنوعة، بما في ذلك إطلاق القمر الصناعي سبينكس من ميناء فضائي صيني في ديسمبر الماضي.

لا ننظر إلى القمر.. هناك أمور أهم: تركز الحكومة أهدافها على الأولويات العملية، لا تشمل الوصول إلى القمر البعيد. تهدف الحكومة إلى تعظيم الفوائد الاقتصادية الفورية، من خلال استخدام بيانات الأقمار الصناعية مصر سات 2 وسبينكس في الزراعة الدقيقة وتتبع الملاحة ومراقبة العواصف والمناخ، حسبما جاء في بيان مجلس الوزراء.

صنع في مصر؟ تسعى الحكومة أيضا إلى إنشاء مرافق للتجميع والتكامل والاختبار، بهدف تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، ويدعم ذلك إطلاق أكاديمية الفضاء المصرية الشهر الماضي لتوطين التصنيع والمهارات، فضلا عن الافتتاح المرتقب لمقر وكالة الفضاء الأفريقية والذي تستضيفه العاصمة.

خدعة؟

كما هو متوقع.. تباينت ردود الأفعال: انقسمت الآراء بين المهووسين بالتكنولوجيا المتحمسين لمتابعة المهمة، وأولئك الذين ينتقدون الإنفاق الهائل عليها في ظل حاجة الأرض إلى توجيه هذه التمويلات نحو مشاريع الغذاء والبنية التحتية والتعليم وغيرها، في الوقت الذي ظهر فيه تيار المؤامرة ليشكك في السردية ككل، باعتبار أن الإنسان لم يصل من قبل إلى القمر، وأن مهمة أبولو 11 التاريخية وما تبعها، هو محض خدعة مفبركة.

بعيدا عن هذا الجدل، تبقى حقيقة الأرقام واضحة وحاسمة: فمع إنفاق مليارات الدولارات وعقد عشرات التحالفات الاستراتيجية، يبقى سباق الفضاء محتدما، إذ لم يعد مجرد ساحة للاستكشاف، بل سوقا استراتيجية وواقعا يفرض على الجميع التسارع على حجز مقعد، كل بحسب أولوياته.