🍿 "الليلة الأخيرة".. رائعة مصرية سابقة لعصرها: في عام 1963، قدم المخرج كمال الشيخ — الشهير بأعمال درامية قاتمة مثل اللص والكلاب وميرامار وغروب وشروق — فيلما دراميا مشوقا من بطولة فاتن حمامة ومحمود مرسي وأحمد مظهر وسيناريو وحوار يوسف السباعي وصبري عزت. تذكر مقدمة الفيلم أنه مقتبس عن رواية "السيدة المجهولة" للكاتبة مارجريت واين، ورغم أننا لم نتمكن من الاستدلال عليها ربما لقدمها، فقد منحتنا واحدا من أقوى أفلام الإثارة والغموض ذات البعد الفلسفي العميق.
الحبكة: تستيقظ نادية في يوم ما بشكل طبيعي، لتفاجأ أن كل ما حولها مختلف عما تذكر. تبدو على وجهها علامات التقدم في العمر، وتجد نفسها مقيمة في فيلا ضخمة، ومتزوجة من زوج أختها فوزية شاكر (محمود مرسي) الذي لا ينفك يناديها فوزية. تصدم نادية عندما تكتشف أن خمسة عشر عاما قد مرت من حياتها دون أن تتذكرها، إذ تبقى ذكرى ليلة عقد قرانها عام 1942 هي آخر الليالي المحفوظة في ذاكرتها.
منذ أن اكتشفنا هذا الفيلم بالصدفة، ولا ننفك ندهش من عبقريته وعمقه. غالبا ما تركز الأعمال البوليسية وقصص الغموض والجريمة على الشق الدرامي، ولكن الليلة الأخيرة يناقش في جوهره مسائل فلسفية معقدة، فيطرح سؤالا، هل تتشكل هوية المرء بناء على صورته الذهنية وذكرياته أم وفق أفعاله وحياته التي اختبرها بالفعل. هذه المعضلة هي ما تعيشه نادية عبر الكارثة الوجودية التي حلت بها، فقد كانت نادية مجرد فتاة عادية بطموحات بسيطة في تكوين بيت وأسرة، قبل أن تقع ضحية جشع ودوافع انتهازية شريرة، سلبتها عمرها وحياتها.
ومن أفضل من فاتن حمامة؟ تمكنت سيدة الشاشة العربية من تقديم الشخصية بذكاء وإبداع خليق بأن يدرس، إذ عبرت بنظراتها ولغة جسدها فقط عن الصراعات المتأججة بداخلها، معززة تلك التجربة الشعورية بالمونولوج الداخلي الذي تقصه على مسامع المشاهد، فيتماهى معها تماما. وفي الوقت ذاته، قدم مرسي أداء رائعا في تجسيد شخصية شاكر المهووس والمتحكم والمتلاعب، لينضم بنجاح إلى قائمة أكثر الشخصيات اضطرابا وتعقيدا في تاريخ السينما المصرية.
يقدم الليلة الأخيرة فيلما تتكامل عناصره، من الفكرة إلى الحوار والتجسيد المبهر للشخصيات دون مبالغة أو افتعال، وهي العناصر التي قادها الشيخ ببراعته الإخراجية المعهودة، ليمنح عشاق السينما فيلما يعيش ولا يفقد بريقه لعقود طويلة.
أين تشاهدونه: عبر يوتيوب.