يشهد النظام المالي في مصر تحولًا تاريخيًا غير مسبوق مع بدء استحقاق شهادات الادخار ذات العائد المرتفع منذ بداية يناير، والتي تُقدر قيمتها بنحو 1.3 تريليون جنيه؛ وهو ما يمهّد الطريق لإعادة توجيه رؤوس الأموال نحو قنوات استثمارية جديدة.
على مدار سنوات، ظل سعر الفائدة هو المحرك الأساسي لإقبال المستثمرين على الأوعية الادخارية التقليدية، إلا أن تطور المشهد الاقتصادي اليوم يفرض ضرورة تحويل هذه المدخرات إلى استثمارات مرنة تضمن تحقيق أعلى العوائد مع الاحتفاظ بسيولة نقدية تحت الطلب، وذلك عبر نظام كاش تك (CASHTECH) الذي يعيد صياغة مفهوم استثمار التدفقات النقدية.
في الحقيقة هذه التطورات هي امتدادًا للرؤية التي تبنيتها طوال مسيرتي المهنية في إدارة الأصول. فمنذ إطلاق صندوق “يوم بيوم” لصالح بنك مصر عام 2004 وصولًا إلى تأسيس جرانيت، ترسخت لدي قناعة بأن قوة النظام المالي لا تقتصر على تقديم أسعار فائدة تنافسية فقط، بل تتمثل في ابتكار حلول سلسة ومستدامة تُمكن الأفراد والشركات من استثمار أموالهم بمرونة، بعيدًا عن قيود الأوعية الادخارية طويلة الأمد.
وهذه القناعة ليست مفهومًا نظريًا، بل هي ضرورة حتمية يفرضها الواقع الاقتصادي الجديد. فنحن اليوم أمام آفاق استثمارية واسعة تتطلب وجود حلول مبتكرة، إذ لا تزال نسبة مساهمة صناديق الاستثمار في مصر لا تتجاوز 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يمثل فجوة شاسعة مقارنة بنسب تتراوح بين 8% و18% في أسواق ناشئة مشابهة كالبرازيل والمكسيك. وهذه البيانات تؤكد أن هناك فرصة تاريخية لاستقطاب تلك السيولة التريليونية وإعادة صياغة مشهد سوق رأس المال وصناديق الاستثمار المصري بالكامل.
من هذا المنطلق أسسنا شركة جرانيت، وهو اسم مستوحى من عراقة الهوية المصرية وخطة “جرانيت” الاستراتيجية لحرب أكتوبر عام 1973. وهدفنا تسهيل الوصول لأدوات الاستثمار لسد الفجوة في سوق المال المصري. واستنادًا إلى التشريعات الحديثة للهيئة العامة للرقابة المالية (139 و140 و141)، نجحنا في توفير منصة رقمية متكاملة تتيح للمستثمرين التسجيل في الخدمة خلال ثلاث دقائق فقط، دون أي معاملات ورقية، أو حاجة لزيارة الفروع وإجراءات الانتظار التقليدية.
ولا تتوقف رؤيتنا عند تسهيل الإجراءات فحسب، بل تمتد لتشمل ضمان كفاءة الاستثمار نفسه. ففي ظل تقلبات السوق، تكتسب السيولة أهمية كبيرة تفوق نسبة العائد المرتفع؛ إذ تعد القدرة على إدارة المبالغ الكبيرة، دون غرامات أو قيود، ميزةً أفضل من فروق الأسعار الهامشية للعوائد. وانطلاقًا من هذه الرؤية، نوفر لعملائنا فرصة الاستثمار الحصري في أذون الخزانة المصرية؛ وهي أداة تضمن لهم أقصى درجات الأمان، كما تتيح لهم إمكانية الاسترداد اليومي، مع تحقيق عوائد تنافسية. وبذلك، ننفرد بمنح المستثمرين مزايا مرنة للتصرف في أموالهم بحرية كاملة، مع الالتزام بتقديم عوائد يومية مركبة تحقق لهم أقصى استفادة.
ويُعد هذا التحول لإدارة الشركات وللمديرين الماليين التنفيذيين، مسألة انضباط مالي ترتبط مباشرة بالمعالجة الضريبية واستراتيجية الخزينة. فبينما تخضع الفوائد البنكية لضريبة دخل الشركات بنسبة 22.5%، فإن العوائد من صناديق أسواق المال معفاة من الضرائب بالكامل بالنسبة للشركات. ولتوضيح الفارق؛ فعلى رصيد نقدي قدره 100 مليون جنيه، وبافتراض أن البنك سيمنح نفس العوائد مثل جرانيت، يمكن أن يصل الفرق في المكاسب الضريبية إلى ما بين 4 و4.5 مليون جنيه وهو فارق كبير للغاية.
ونطمح في استراتيجيتنا إلى تعزيز كفاءة النظام المالي الحالي عبر توفير حلول تكنولوجية مرنة، والتوسع بنطاق الخدمات لتلبية متطلبات المشهد الاقتصادي الجديد. فنحن نؤمن بأن المعيار الحقيقي لمستقبل إدارة الثروات في مصر يتجسد في مدى سرعة وأمان وكفاءة توظيف الأصول؛ بما يحقق أهداف المستثمرين.
هشام أكرم، المؤسس والرئيس التنفيذي، شركة جرانيت القابضة للاستثمارات المالية