🌙 منذ عقود طويلة، ارتبط شهر رمضان في الوجدان بالدفء والحميمية والروحانيات التي تغمر كل مكان. وكما يفرض الشهر حضوره بقوة في شتى تفاصيل الحياة اليومية من طعام وزينة وملابس وتقاليد وعادات، يمتد تأثيره كذلك إلى مشهد الموسيقى بأغنيات وأناشيد وتترات درامية وإعلانات راسخة، قد تخبو طوال العالم قبل أن تظهر مجددا مع اقتراب موعده وكأن الغياب يزيدها قيمة. في عدد اليوم من “موسيقى حول العالم” نحتفل معا بقدوم الشهر الكريم عبر أهم محطات الموسيقى التي ارتبطت به في التاريخ المصري.

البداية من الثلاثينات: تعد أغنية ” وحوي يا وحوي ” هي أقدم أغنية رمضانية إذاعية معروفة، إذ أذيعت لأول مرة عام 1937، من كلمات الشاعر حسين حلمي المانسترلي وألحان وغناء أحمد عبدالقادر، وسرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم، يغنيها الأطفال والكبار على حد سواء. وبداية من كلماتها التي تحمل مفردات فرعونية، وحتى لحنها المبهج الذي يعكس عصره، عاشت هذه الأغنية لأكثر من 89 سنة لتعبر عن فرحة انقضاء شهر شعبان وقدوم رمضان.

ثم كانت “رمضان جانا”: في عام 1943، تواصل الملحن محمود الشريف مع أحمد عبد القادر ليعرض عليه الأغنية، قبل أن يتنازل عنها الأخير لمحمد عبد المطلب الذي لم يكن مقتنعا بها في البداية وقبل بها مضطرا. ومن هنا، كانت الأغنية الأكثر ارتباطا بشهر رمضان من نصيب المطرب صاحب الصوت الرخيم القوي، لتصبح واحدة من أهم — إن لم تكن أهم — أعماله وأكثرها شهرة على الإطلاق. ارتبطت ” رمضان جانا ” بألحانها العذبة وكلماتها البسيطة التي أبدعها الشاعر حسين طنطاوي بحلول شهر الصيام منذ حينها وحتى الآن، لتعبر عن حالة الحب والشوق إلى الشهر وأجوائه وروحانياته وفرحة استقباله في كل بيت.

ولأن ظاهرة المسحراتي قديمة قدم الحضارة الإسلامية ذاتها تقريبا، فكان لابد أن تحظى هي الأخرى بتطور منحها لمسة موسيقية سواء بين مسحراتية المناطق والأحياء الشعبية الذين يلحنون عباراتهم ويتبعوها بخبطات لها لحن ونمط معين على الطبلة، أو بين المطربين مثل سيد مكاوي، الذي غنى ولحن ” المسحراتي ” من أشعار فؤاد حداد، والتي ما زالت معبرة عن هذا الجزء من التراث والتقليد وإن اختلف شكله في الحياة المعاصرة.

وفي وداع رمضان: تعلق الشعب المصري بشهر رمضان يمتد حتى لوداعه، فقد رسخت المطربة شريفة فاضل بصوتها العذب أغنية ” تمالبدر بدري ” كعلامة مسجلة في تاريخ الموسيقى الرمضانية، والتي أبدع من خلالها الشاعر عبد الفتاح مصطفى والملحن عبد العظيم محمد في وداع الشهر الكريم بمجرد إكتمال البدر واقتراب النهاية. وبعد سنوات على هذه الأغنية، ما زال تأثيرها عميق فيشعرنا بالحزن والتأثر حقا لانقضاء اللحظات الجميلة والروحانيات الدافئة سريعا.

ومع تطور الساحة الموسيقية في مصر، ارتبطت عدد من الأسماء المعاصرة بأغنيات رمضان الاحتفالية، مثل علي الحجار وتترات مسلسلات الثمانينات والتسعينات وصوت محمد منير وأغنية بكار التي ارتبطت بجيل كامل منذ طفولته حتى اليوم، وصولا إلى حسين الجسمي وشيرين وعمرو دياب بأغنيات الإعلانات التي تتجاوز المنتجات أو العلامات التجارية التي تروج لها، وتمتد لتعبر عن حالة عامة دافئة تجسد معاني الأسرة والصداقة والسعادة تتخطى حدود الزمان والمكان.