القطاع الخاص يحتاج إلى معادلة أعمال مجدية للدخول إلى سوق الإسكان الميسر. ففي حين تواجه مصر أزمة حادة في القدرة على تحمل تكاليف الإسكان، مع وصول نسبة أسعار المنازل إلى الدخل إلى 15.1 في عام 2024، فإن الكيان الأكثر قدرة على حل هذه الأزمة — وهو القطاع الخاص الرسمي — قد توقف فعليا عن المشاركة. ففي عامي 2022-2023، لم يسهم القطاع الخاص الرسمي سوى بنسبة 8.8% فقط من إجمالي الإنتاج العقاري في مصر، وفق دراسة (بي دي إف) صادرة عن مشروع “حلول للسياسات البديلة” التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة.
ولا يعزو هذا التراجع إلى نقص الطلب، بل إلى انهيار الجدوى الاقتصادية. وبالنسبة للمطورين العقاريين، أصبحت الفجوة في الربحية بين الإسكان الفاخر والإسكان الميسر واسعة للغاية بحيث لا يمكن سدها دون تدخل هيكلي.
لماذا يخرج القطاع الخاص من السوق الجماهيرية؟
هوامش ربح ضئيلة: يعمل القطاع الخاص بهوامش ربح تتراوح عادة بين 12% و15%، وفق ما صرح به رئيس مجلس إدارة شركة فانتدج للتنمية العمرانية محمد عبد الجواد لإنتربرايز. غير أن ارتفاع تكاليف مواد البناء وأسعار الفائدة يلتهم حاليا هذه الهوامش الضئيلة بالفعل. وفي المقابل، توفر مشروعات الإسكان الفاخر عوائد أعلى تسمح للمطورين “بالمساهمة بشكل أكبر في إسكان متوسطي الدخل مستقبلا”، وفق ما قاله الرئيس التنفيذي لشركة أورا ديفيلوبرز هيثم عبد العظيم. وعلى النقيض، يعمل الإسكان الميسر بهوامش ربح ضئيلة للغاية، مما يجعله “أقل جاذبية” للمطورين التجاريين في ظل الظروف الحالية.
ارتفاع أسعار الأراضي: يتمثل العائق الأكبر على الإطلاق في تكلفة الأراضي، والتي تمثل ما بين 38% و45% من التكلفة النهائية للوحدة السكنية، بحسب عبد الجواد. ونظرا لأن الحكومة تخصص الأراضي عبر مزادات تنافسية بهدف تعزيز إيراداتها، فقد أصبحت “المادة الخام” للإسكان باهظة التكلفة بما لا يدعم المشروعات ذات هوامش الربح المنخفضة.
البيروقراطية وعامل الوقت: يواجه المطورون أيضا ما يسميه عبد الجواد “مثلث الوقت والمال والمخاطر” الذي تخلقه البيروقراطية. فالتأخير في إصدار تراخيص البناء لا يعطل الأعمال الإنشائية فحسب، بل يرفع تكاليف التمويل أيضا. وبالنسبة لمشروعات الإسكان الميسر التي تعتمد على سرعة التنفيذ وحجم المبيعات لتعويض تدني هوامش الربح، فإن أي تأخير يطيل فترة الاقتراض يمكن أن يمحو الأرباح بالكامل.
أنظمة البناء التقليدية: يحرص المطورون على تبني تقنيات موفرة للتكلفة، مثل البناء مسبق الصنع أو البناء المركب لخفض الأسعار، وفق عبد الجواد. لكن اشتراطات البناء الحالية وإجراءات الموافقة تعيق فعليا استخدام هذه التقنيات، مما يجبر المطورين على الاعتماد على أنظمة أكثر تكلفة وتتطلب عمالة كثيفة.
كما توجد فجوة هيكلية بين القطاع المصرفي ودورة التطوير العقاري، وفقا لعبد الجواد. إذ ترفض البنوك غالبا تمويل المشروعات قبل يكتمل البناء أو تطلب ضمانات تفوق قيمة المشروع، مما يضطر المطورين على تمويل مشروعاتهم عبر الموارد الذاتية وتحمل أعباء الفائدة. وحذر عبد الجواد من أن تحمل هذه الفوائد لفترات طويلة يؤدي إلى تآكل صافي الربح، والذي قد ينخفض أحيانا إلى “ما بين 2% و3%، وفي بعض الحالات قد يصل إلى حد الخسارة”.
ولا يمكن للمطورين البناء لعملاء غير قادرين على الدفع. تشترط ضوابط التمويل العقاري الحالية إثباتا للدخل بحيث لا تتجاوز الأقساط 40% من الدخل الشهري. ويوضح عبد الجواد أن التمويل المباشر للعملاء أثناء فترة البناء ليس أمرا سهلا؛ لأنه حتى لو تمكنت الشريحة المستهدفة من إثبات دخلها، فقد تتجاوز الأقساط المطلوبة حاجز الـ 40%، مما يترك المطور دون سيولة نقدية لاستكمال أعمال البناء.
ما الذي قد يحفز القطاع على العودة إلى السوق؟
رغم هذه العقبات، يبدي القطاع الخاص استعداده للعودة إلى سوق الإسكان الجماهيرية. ويتفق كل من عبد الجواد وعبد العظيم على أن المطورين لا يخشون “تراجع قيمة علاماتهم التجارية” ويمكنهم إدارة محافظ استثمارية متنوعة الفئات. لكن تفعيل دور القطاع الخاص يتطلب تغييرات محددة في السياسات:
الأرض كأداة دعم وليس كمصدر إيرادات: لا يمكن للقطاع الخاص توفير وحدات إسكان ميسورة التكلفة على أراض تباع بأسعار السوق في المزادات، بحسب عبد الجواد، الذي يرى أن الدولة يجب أن تتحول من نموذج المزادات إلى نموذج الشراكة — عبر توفير الأراضي بأسعار مخفضة أو كحصة عينية في المشروع. ومن شأن ذلك أن يقلل من عبء رأس المال الأولي على المطور ويخفض السعر النهائي للوحدة بشكل مباشر. وقد بدأت ملامح هذا النموذج تظهر بالفعل، إذ استعانت الحكومة مؤخرا بمطورين من القطاع الخاص لبناء 10 آلاف وحدة إسكان اجتماعي ضمن برنامج تجريبي مدعوم من البنك الدولي.
كما أن هناك سقف سيولة قد يدفع المطورون للعودة. يتفق مسؤولو “أورا” و”فانتدج” على أنه إذا توفر تمويل عقاري موثوق يغطي 50% من قيمة الوحدة للمشترين من ذوي الدخل المتوسط، فإن الشركات ستكون مستعدة للتوسع في هذا القطاع على الفور. هذا الضمان من شأنه أن يحول الإسكان الميسر من “شريحة نظرية” إلى “سوق نشطة وقابلة للتوسع”، وفق ما قاله عبد العظيم.