يتأهب قطاع النقل الثقيل في مصر لطفرة ضخمة، إذ قفزت مبيعات الشاحنات بنسبة 108% على أساس سنوي في عام 2025. لكن هناك عقبة: الشاحنات تزيد بشكل كبير على عدد السائقين نتيجة فجوة حادة في التعليم المهني. وبينما يتطلع القطاع الخاص إلى تحديث أساطيله، فإن منظومة التدريب المهني والترخيص في البلاد تخلق اختناقا هائلا في سوق العمل.
ما أهمية هذا: بالنسبة إلى بلد يتحول نحو النمو الذي تقوده الصادرات، فإن كفاءة الخدمات اللوجستية تعتمد بالأساس على كفاءة الأشخاص الذين ينقلون البضائع. وفي الوقت الراهن، يمثل مسار العمل كسائق شاحنة نقل ثقيل يواجه مجموعة واسعة من الإجراءات البيروقراطية، بدلا من أن يكون عملية سريعة أو فعالة ضمن إطار للتعليم والتدريب المهني.
وتبرز هذه المشكلة بشكل خاص في قطاع النقل الثقيل، الذي يقع على عاتقه العبء الأكبر في نقل البضائع عبر أنحاء البلاد. فلكي يتأهل السائق المهني لقيادة شاحنة ثقيلة أو مقطورة، يجب أن يحمل رخصة درجة ثالثة لمدة ثلاث سنوات، ثم رخصة درجة ثانية لثلاث سنوات أخرى قبل الحصول على رخصة الدرجة الأولى. “هذا يعني 6 سنوات قبل أن تتمكن من قيادة شاحنة نقل ثقيل — وهو ما أسميه عائق التدرج”، وفق ما قاله عمر راغب، العضو المنتدب لشركة ريلاينس لخدمات التشغيل والصيانة (رومس)، في تصريحات لإنتربرايز.
كما أصبحت عملية توظيف سائقين جدد أكثر صعوبة بالنسبة للشركات المشغلة. حتى الشركات الأعرق في السوق تشير إلى معدل نجاح في التوظيف لا يتجاوز 40% في أفضل الأحوال، وفق ما صرح به كريم عثمان، مؤسس منصة فراكتن للملكية الجزئية للأصول اللوجستية، لإنتربرايز.
المشكلة لا تتمثل فقط في نقص أعداد العمالة، بل أيضا في وجود “عدم تطابق في المهارات والحوافز”، وفقا لما قاله عثمان. فعلى سبيل المثال، هناك هجرة كبيرة للسائقين المصريين المهرة إلى السعودية ودول الخليج، مدفوعة بمشاريع البنية التحتية الضخمة، والأجور الأفضل، فضلا عن ظروف العمل الممتازة والمستقرة، بحسب ما أكده كل من عثمان وراغب لإنتربرايز.
بالأرقام: تقدر “رومس” أن السوق يعاني من فجوة تبلغ نحو 8 آلاف مهمة شحن يوميا — أي 8 آلاف حمولة يوميا لا يمكن نقلها بكفاءة بسبب نقص الأصول أو السائقين المتاحين. ويضيف راغب: “أنت بحاجة على الأقل لمضاعفة القوى العاملة في الصناعة، نظرا لأنك تحتاج إلى سائقين تقريبا لكل ثلاث شاحنات لإبقائها قيد التشغيل”.
ما الحل؟ التعليم والتدريب والإصلاح التشريعي. يتضمن أحد الإصلاحات الفورية إصلاح منظومة الترخيص في البلاد عبر فصل عملية استخراج الرخصة عن المدة الزمنية المنقضية، وربطه بالكفاءة بدلا من ذلك. ويوضح راغب: “يجب إعادة النظر في القانون لتقليص الفترة الزمنية اللازمة للحصول على رخصة قيادة مهنية النقل الثقيل من ست سنوات إلى سنتين فحسب”. ولضمان الكفاءة، يمكن للحكومة اعتماد مؤسسات تدريب معينة لاختبار واعتماد السائقين، وهو ما من شأنه ضخ دماء جديدة وشابة فورا في القطاع، بحسب راغب.
طريق محفوف بتحديات “القطاع غير الرسمي”: إضفاء الطابع الرسمي على متطلبات التعليم والتدريب في قطاع غير رسمي إلى حد كبير قد يكون صعبا. يمتلك الأفراد أو الشركات العائلية نحو 95% من شاحنات النقل الثقيل في السوق، بينما لا تمتلك الشركات سوى 5% فقط، وفق عثمان. وفي المتوسط، يمتلك الفرد أو العائلة ثلاث شاحنات، “مما يخلق انعداما لوفورات الحجم في الصيانة والتمويل والتأمين والتدريب، ويؤدي إلى ارتفاع فترات التوقف وتقلب الأسعار”، حسبما أضاف عثمان.
التنظيم هو الخطوة الأولى: لتطوير التعليم المهني، تحتاج أولا إلى إضفاء الطابع الرسمي على القطاع ذاته، وهو ما يمكن تحقيقه عبر وضع حد أدنى للأجور، وفرض التأمين الاجتماعي والصحي، وتطبيق حد أقصى لساعات العمل لمنع الإرهاق، وفق ما قاله عثمان وراغب لإنتربرايز. حاليا، يعمل السوق بشكل غير رسمي إلى حد كبير، إذ يفتقر السائقون لعقود أو شبكات أمان، مما يعني أن أي إصابة أو حادث يؤدي إلى فقدان فوري للدخل. إضفاء الطابع الرسمي على القطاع سيخلق مسارا وظيفيا مستقرا، وهو ما يفتقر إليه القطاع حاليا، مما يجعل التأهيل للعمل كسائق شاحنة نقل ثقيل أمرا مجديا ويوقف هجرة العمالة إلى الخليج.