يقترب أول بنك رقمي بالكامل في البلاد من الانطلاق أخيرا. فقد حصل بنك “وان بنك” التابع لبنك مصر على الموافقة النهائية من البنك المركزي المصري في أغسطس الماضي، ومن المقرر أن يبدأ مرحلته التشغيلية هذا العام. ووضع الرئيس التنفيذي للبنك، شريف البحيري، مستهدفات طموحة للعام الأول تشمل جذب ودائع بقيمة 40 مليار جنيه و800 ألف عميل. وفي الوقت ذاته، يخطط البنك التجاري الدولي، عملاق القطاع الخاص، لاستثمار 300 مليون جنيه في ذراعه الرقمية الجديدة على مدار السنوات الثلاثة المقبلة، فيما يتوقع رئيسه التنفيذي هشام عز العرب الحصول على التراخيص قريبا، على أن يكون الإطلاق الكامل في وقت لاحق من العام الجاري.
ما أهمية هذا التوجه؟ مع مضي البنك المركزي قدما في دورة التيسير النقدي — التي استهلها مطلع 2026 بخفض الفائدة بمقدار 100نقطة أساس — بدأت هوامش الفائدة القياسية التي دعمت أرباح البنوك في السنوات الأخيرة في التقلص. وفي ظل التوقعات بأن نشهد مزيدا من خفض الفائدة، قد تتطلع أكبر البنوك في البلاد إلى إطلاق أذرعها الرقمية، التي طال انتظارها، لتكون سبلا للحفاظ على هوامش ربحية مرتفعة.
ومع ذلك، يحذر الخبراء في القطاع المصرفي من الربط المباشر بين خفض الفائدة والتحول الرقمي. إذ يرى علاء أبو المجد، خبير التحول الرقمي، أن التوجه نحو الخدمات المصرفية الرقمية ليس مجرد رد فعل لتراجع الربحية، بل هو جزء من تحول تكنولوجي أوسع تتبناه البنوك منذ سنوات. وأشار إلى أن كثيرا من البنوك تدير بالفعل فروعا رقمية بحد أدنى من الموظفين، مما يعكس تطورا تدريجيا في نماذج الخدمة، وليس تحولا مفاجئا بغرض الدفاع.
رهان بعيد المدى
رغم أن البنوك الرقمية تتمتع نظريا بتكاليف تشغيلية أقل بفضل الاستغناء عن الإيجارات والأعداد الكبيرة من الموظفين، فإن تكلفة الدخول للقطاع لا تزال مرتفعة. قال أبو المجد لإنتربرايز إن إطلاق بنك رقمي هو استثمار استراتيجي طويل الأجل وليس حلا فوريا لخفض التكاليف، مشيرا إلى أن رأس المال المطلوب للبنية التحتية التكنولوجية، وإدارة المخاطر، والأمن السيبراني، والحوكمة يكون مبلغا ضخما. ومع ذلك، يرى ماجد فهمي، رئيس مجلس إدارة بنك التنمية الصناعية السابق، أن هذه التكاليف لا تزال أقل بكثير من ميزانية التوسع عبر شبكة الفروع التقليدية.
لن تختفي الفروع التقليدية قريبا؛ فالبنوك لا تزال تعتمد على وجودها الفعلي لخدمة العملاء الذين يفضلون التعامل المباشر، خاصة في المناطق الريفية وبين كبار السن. ويشير فهمي إلى أن البنوك تجري دراسات أثر مفصلة قبل تقليص فروعها، مراعاة للمجتمعات المحلية وولاء العملاء. كذلك سلط أبو المجد الضوء على مخاطر “تآكل الحصة السوقية الداخلية”، إذ يهاجر العملاء الحاليون إلى المنصات الرقمية دون أن ينجح البنك في جذب شريحة جديدة من العملاء ومن ثم التوقف عن التوسع الحقيقي في قاعدة العملاء الإجمالية.
فضلا عن أن المنتجات ذات الهوامش الربحية المرتفعة لا تزال تعتمد بقوة على الفروع الفعلية، في حين تهيمن الخدمات ذات العائد المنخفض — مثل التحويلات ودفع الفواتير — على القنوات الرقمية. ويوضح أبو المجد أن هذا يفسر سبب توسع البنوك بحذر؛ نظرا إلى أن بيانات البنك المركزي تظهر أن عدد فروع البنوك وصل إلى نحو 4750 فرعا بحلول يونيو 2025، مقارنة بـ 4720 فرعا قبل عام.
كذلك اتخذ البنك المركزي نهجا رقابيا محافظا، إذ وضع الاستقرار المالي والأمن السيبراني أولوية قبل منح الرخص. قالت الخبيرة المصرفية مروة الشافعي إن المركزي وضع معايير صارمة لضمان تأهيل هذه المؤسسات لتكون بنوكا رقمية حقيقية، وأوضحت أن “التحدي الأكبر يكمن في توعية العملاء وحمايتهم من الهجمات السيبرانية”. وأضاف أبو المجد أن الأنظمة المصرفية القديمة يجب تحديثها لدعم العمليات الرقمية الكاملة.
ومع ذلك، باتت البنية التحتية جاهزة إلى حد كبير. فخلال السنوات القليلة الماضية، فعلت مصر الهوية الرقمية، وأتاحت التوقيع الإلكتروني، وعززت أطر مكافحة غسيل الأموال للحد من الحسابات الاحتيالية، بحسب الشافعي، وهي إصلاحات قللت من العوائق الهيكلية التي أبطأت الاعتماد الرقمي في الماضي.
ويتوقع معظم المحللين أن يكون التحول تدريجيا وليس مفاجئا. إذ يصف فهمي هذا التحول بأنه تطور طبيعي للقطاع المصرفي المصري، يتماشى مع التوجهات العالمية ويعكس الارتفاع المستمر في حجم المعاملات الرقمية محليا.