استهلت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري أولى اجتماعاتها لعام 2026 بخفض أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 100 نقطة أساس، مدفوعة بتزايد الثقة في المسار النزولي المستدام للتضخم، وفق ما ورد في بيان صادر عن البنك (بي دي إف) الخميس الماضي.
استقر سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19.00%، وسعر الإقراض عند 20.00%، مع تحديد سعر العملية الرئيسية والائتمان والخصم عند 19.50%. وفي خطوة موازية، خفض المركزي نسبة الاحتياطي الإلزامي لدى البنوك — وهي حصة الودائع التي تلتزم البنوك بوضعها لدى المركزي دون عائد — بمقدار 200 نقطة أساس لتصل إلى 16.00%، مما ضخ سيولة إضافية في الجهاز المصرفي.
وجاء القرار متماشيا مع استطلاع رأي أجرته إنتربرايز، حيث توقع 9 من أصل 11 محللا خفض الفائدة بنسب تراوحت بين 100 و200 نقطة أساس. ويرى الخبراء أن البنك المركزي تجاوز مرحلة إدارة الأزمة، إذ يرى محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، أن “المركزي المصري اليوم في موقف قوة” بفضل وفرة السيولة الدولارية وتناغم العلاقة مع صندوق النقد الدولي.
أسباب القرار
يواصل التضخم تراجعه في حين لا يزال النمو دون المستويات المرجوة. فقد تباطأ معدل التضخم السنوي في المدن المصرية بمقدار 0.4 نقطة مئوية ليصل إلى 11.9% في يناير، عقب انخفاض قدره 14.2 نقطة مئوية في متوسط معدل التضخم السنوي بين عامي 2024 و2025، مدفوعا بتباطؤ واسع النطاق في ضغوط الأسعار بدعم من انخفاض تضخم الغذاء، واستقرار سعر الصرف، وهدوء الطلب. ومع ظهور مؤشرات قوية على انحسار التضخم وترسخ مساره النزولي، بات صناع القرار أكثر ثقة في قدرتهم على بلوغ مستهدف الـ 7% (±2%) بنهاية العام بالتوازي مع خفض الفائدة.

كذلك يمنح تباطؤ النمو البنك المركزي مبررات إضافية لخفض أسعار الفائدة؛ إذ تشير التقديرات إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.9% على أساس سنوي في الربع الأخير من 2025، انخفاضا من 5.3% في الربع السابق. ومع بقاء الناتج دون كامل طاقته الاستيعابية، يرى المركزي مخاطر تضخمية محدودة على المدى القريب، مما يسمح له بالتحول بحذر نحو دعم النشاط الاقتصادي وفي الوقت نفسه المحافظة على أولوية استقرار الأسعار.
التحليل
يتفق المحللون بصفة عامة على أن نبرة البنك المركزي قد تغيرت، وأن دورة التيسير قد بدأت للتو. أشار جيمس سوانستون، الخبير الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى كابيتال إيكونوميكس، إلى تغيير دقيق وكاشف في لغة البيان؛ فقد بات صناع القرار يتحدثون الآن عن “بلوغ” المستهدف بدلا من مجرد “الاقتراب” منه. وتتوقع المؤسسة خفضا إضافيا بمقدار 600 نقطة أساس هذا العام ليصل سعر الإيداع إلى 13.00%، وهو ما يتماشى مع توقعات السوق الأوسع. إذ إن 13 من أصل 14 خبيرا اقتصاديا شملهم استطلاع مجموعة لندن للأوراق المالية، توقعوا هذا التيسير النقدي، ونجح العديد منهم — ومن بينهم كابيتال إيكونوميكس — في التنبؤ بدقة بخفض قدره 100 نقطة أساس.
غير أن خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي كان أبرز ما لفت انتباه الكثيرين؛ فمن خلال خفض النسبة بمقدار 200 نقطة أساس، حرر المركزي مليارات الجنيهات من السيولة، وهي خطوة وصفها المحللون بأنها أكثر تأثيرا من خفض الفائدة نفسه. وصف محمد عبد العال الخطوة بأنها “التحرك الأقوى والأكثر دلالة”، معتبرا أن “خفض الفائدة هو دعوة للاستثمار، أما خفض الاحتياطي فهو توفير للسيولة اللازمة لهذا الاستثمار”. وأيد هذا الرأي الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح، قائلا إن الخطوة تقلل تكلفة التمويل وتسرع انتقال أثر التيسير إلى الشركات والأسر.
وقال عمرو الألفي، رئيس قطاع إستراتيجيات الأسهم بشركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، إن القرار يعكس تزايد الثقة في تحرك التضخم نحو النطاق المستهدف، مضيفا أن السيولة الإضافية قد تخفض تكاليف الاقتراض للشركات والحكومة مع دعم الطلب على أذون الخزانة. ومن جانبها، وصفت نعمت شكري، رئيسة قطاع بحوث الأسهم في “إتش سي لتداول الأوراق المالية”، خفض الاحتياطي الإلزامي بأنه من السياسات النقدية التوسعية، التي ستتيح سيولة أكبر في السوق وتدعم إقراض البنوك للشركات والأفراد، حتى مع استمرار حذر صُناع القرار تجاه المخاطر الجيوسياسية والتزامات الإصلاح المالي.
ويرى آخرون أن الأثر المشترك للقرارين أكبر مما يبدو على الورق؛ فقد قال هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس، إن الخطوة تتجاوز كونه خفضا بـ 100 نقطة أساس، وذلك عند احتساب أثر السيولة الناتج عن خفض الاحتياطي الإلزامي. وأشار جنينة إلى أن فوائض سيولة البنوك لدى المركزي تراجعت بحدة خلال عام من تريليون جنيه إلى 80 مليار جنيه، مما حد من قدرتها على التوسع الائتماني. ومن خلال تحرير الاحتياطي الإلزامي، يمكن للبنوك تلبية طلبات الإقراض دون الضغط على ربحيتها، لا سيما مع بقاء هوامش صافي العائد (NIMs) عند مستويات مرتفعة تقارب 9% في بعض المؤسسات.
كذلك أسهم تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي في تعزيز هذه الثقة؛ إذ يشير المحللون إلى وصول الاحتياطيات الأجنبية لمستويات قياسية وعودة صافي الأصول الأجنبية لتحقيق فائض، وهذا يمنح صناع القرار مساحة للتحرك دون زعزعة استقرار الأسواق. وقالت سهر الدماطي، نائب رئيس بنك مصر سابقا، إن تباطؤ التضخم فتح الباب للخفض، مضيفة أن تراجع الفائدة سيخفف تكلفة خدمة الدين الحكومي ويدعم توسعات الشركات، متوقعة وصول الفائدة إلى ما بين 12% و 13% بنهاية العام.
استشراف المستقبل
تشير توقعات سوانستون، الخبير لدى كابيتال إيكونوميكس، إلى استمرار البنك المركزي في خفض أسعار الفائدة طوال العام مع تراجع التضخم. ولفت إلى أن الاحتمالات ترجح خفضا أكبر في أسعار الفائدة إذا تراجع التضخم بوتيرة أسرع من المتوقع.
ومع ذلك، يبقى صُناع القرار على حذرهم. فقد أكد المركزي أن قرارات الفائدة المستقبلية ستعتمد على تطورات التضخم والمخاطر العالمية والمحلية، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية والإصلاحات المالية، في إطار موازنته بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.