🚙 عادة ما ينظر إلى الموظفين الأذكياء ذوي الأداء العالي باعتبارهم مؤهلين للقيادة، لكن الواقع المؤسسي يشير إلى غير ذلك. كثيرا ما يكتشف الموظفون المتميزون، عند انتقالهم إلى أدوار قيادية، أن متطلبات القيادة تختلف جذريا عما اعتادوه، إذ يجدون أنفسهم تحت وطأة التوقعات المرتفعة، متحملين أدوارا تحتاج إلى صفات مثل سرعة الحسم والقدرة السريعة على استيعاب متطلبات العمل، فضلا عن اتساع نطاق المسؤوليات. غير أن القيادة الجيدة لا تتطلب مهارات استثنائية بقدر ما تحتاج إلى تبني عقلية مختلفة، إذ ترتبط، لا بحجم المهام، وإنما بطريقة تنفيذها وقدرة القائد على إدارة العمل واتخاذ القرارات.

لماذا يواجه القادة الإحتراق الوظيفي؟

حصلت على ترقية في عملك مؤخرا ولكنك تشعر ببوادر إرهاق وظيفي؟ قد لا يكون السبب حجم العمل أو عدد القرارات التي يجب عليك اتخاذها، بل لأن عبء القيادة الأكبر يتمثل في تحمل القائد مسؤولية إخفاق فريقه، وهو ما تصفه فوربس بعدم الوضوح في تحديد المسؤوليات. ويختبر نحو 85% من مدراء المستويات المتوسطة شعور الإرهاق الوظيفي بصورة أسبوعية نتيجة تراكم الضغوط اليومية، وفقا لدراسة أجرتها هارفارد بزنس ريفيو. كما أكد نحو 53% من المدراء تعرضهم للإرهاق الوظيفي في العمل، بحسب تقرير صادر عن شركة التدقيق والمراجعة العالمية ديلويت.هل تنجزها بنفسك، أم تهدر وقتا لا تملكه في شرحها للآخرين؟ تظهر الضغوط في تفاصيل العمل اليومية الصغيرة أكثر من المهام الكبرى، إذ تبدأ بالتراكم تدريجيا، من مهمة غير واضحة تكلف بها إلى أخرى تتطلب منك المتابعة، حتى تتلاشى الحدود الوظيفية وتتحول المسؤولية إليك تلقائيا، فتجد نفسك المحور الذي يدور حوله كل شيء.

انخراط القائد في أدق تفاصيل العمل قد يشير إلى خلل في توزيع المسؤوليات. حتى الفرق التي تضم أفضل الموظفين قد تتفكك نتيجة اختلاط الأدوار وتداخل المهام، فعندما تغيب ملكية القرار، يتراجع الانتماء للعمل. وفي هذه الحالة قد يكمن الحل في التحول الضروري من المسؤولية الضمنية إلى المسؤولية الصريحة، عبر تمكين أعضاء الفريق من التحرك واتخاذ القرارات ضمن أدوار محددة، دون الحاجة للرجوع إلى الإدارة في كل مرة.

التحول في عقليات القيادة

إذن، لماذا يصعب تبني هذا التحول، خاصة بالنسبة للقادة الموهوبين ذوي الأداء العالي؟ رغم توجيه نحو 366 مليار دولار سنويا في قطاع التطوير، يغادر ما يقرب من 40% من المدراء مناصبهم أو ينتقلون إلى وظائف أخرى في غضون 18 شهر من الترقية. بالنسبة للقادة الأذكياء، صعوبة القيادة وتحدياتها لا تكمن في نقص المهارات، بل في الطريقة التي تفكر بها عقولنا.

الأزمة تبدأ مع التحول المفاجيء: الفرد الذي يعتمد في عمله اليومي على إنجازه الشخصي ومساهمته الفردية، والتي تقترن بنتائج محددة قابلة للقياس، يتحول ليجد نفسه أصبح جزءا من كل، وقائدا مسؤولا عن نتائج جماعية. وهنا يجد معظم المدراء التنفيذيين أنفسهم عالقين، يعملون دون وعي وفقا “للعقل الاجتماعي” أو العقل الذي يفكر وفقا لآراء وتوقعات الآخرين عنه، حسبما يصفه عالم النفس بجامعة هارفارد روبرت كيجان. هذه العقلية أكثر شيوعا مما نتصور، إذ يعمل نحو 75% من القادة بشكل أساسي وفقا لها.

عندما يواجه القائد أوقاتا حرجة في بيئة العمل، يتولد لديه صراع داخلي، بما يؤثر على صوت العقل الواعي ذاتيا داخله، أو ما يسميه كيجان “العقل المؤلف ذاتيا”. تمكن هذه العقلية القادة من الوصول إلى عمليات تفكير أكثر استباقية تركز على المستقبل، ولكنها تعتمد على الهدف الذي يحدده المرء لذاته، بما يحول إحساسه بالإنجاز والتقدير إلى شعور داخلي ينبع منه هو، لا من آراء الآخرين. ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن 15% فقط من القادة قد تمكنوا من تبني هذه العقلية.

لهذا السبب، فإن مجرد حث المدير على بذل المزيد من الجهد قد لا يجدي نفعا. تحت الضغط، يلجأ الإنسان غريزيا إلى العادات الانفعالية التي تأصلت داخل شخصيته لسنوات. لا يتطلب تبني عقلية القيادة الواعية ذاتيا مجرد تطوير للمهارات، بل يحتاج الأمر تطويرا شاملا، يستهدف الطريقة التي يحدد بها القائد قيمته الذاتية وعلاقته بفريقه. لا يحدث هذا النمو إلا عندما تتجاوز تحديات القائد تصوره الذهني الحالي، ما يجبره على التخلي عن الافتراضات القديمة، وافساح المجال لمنظور مختلف عن الحياة العملية. باختصار: الطريق ليس ورديا لكنه ضروري.

كيف تتعامل مع أعباء القيادة؟

تنعكس هذه التحولات العالمية في العقليات على الأجيال كافة في كل مكان، ومصر ليست استثناء. كما هو الحال في الحياة، لا يوجد حل سحري أو وصفة واحدة يسهل تعميمها على الجميع، ولكن يمكن القول أن البداية تبدأ من اللحظة التي يغير فيها المرء طريقة تفكيره، ويدرك حقا أنه لا يستطيع القيام بكل شيء وحده، وأن هذا أمر طبيعي للغاية. “من المهم نقد أفكارك وقراراتك باستمرار، ولكن ليس لدرجة أن يعيقك ذلك”، حسبما صرح الرئيس التنفيذي لشركة بي تك محمود خطاب، مشيرا إلى أنه بينما يحتاج القادة إلى محاسبة أنفسهم، فإن التفويض هو كلمة السر. فيما يرى كريم أبو جمرة من بيس كيك ضرورة تحديد المسؤوليات بوضوح، باعتباره عاملا محوريا يؤثر في قدرة الفرد على القيادة.