يحدد ميثاق الشركات الناشئة الذي أطلقته الحكومة مؤخرا خارطة طريق لتقليل مخاطر منظومة ريادة الأعمال وإزالة المعوقات البيروقراطية التي تعترض طريق النمو، مستهدفا جذب تدفقات من رأس المال المغامر بقيمة 5 مليارات دولار بحلول عام 2031، وفقا لوثيقة الميثاق (بي دي إف). وتهدف الخارطة إلى تمكين 5 آلاف شركة ناشئة وخلق 5 شركات “يونيكورن” خلال السنوات الخمسة المقبلة، مع هدف طويل الأجل لدعم توسع الشركات الناشئة في الأسواق الدولية.

تحفيز النمو وتحجيم المخاطر

تتضمن الخطة مبادرة تمويلية موحدة بقيمة مليار دولار لتحقيق مستهدفات التدفقات الرأسمالية. وتعمل المبادرة عبر خمس ركائز استراتيجية، تشمل توسيع نطاق رأس المال المغامر عبر “صندوق الصناديق” الذي يديره جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر ، وتوفير ضمانات ائتمانية للديون الاستثمارية، وتأسيس صناديق استثمار مشترك للمستثمرين الملائكيين والشركات. كذلك يقدم الميثاق إطارا تنظيميا لشركات الاستحواذ ذات الغرض الخاص لتسهيل القيد في البورصة، وتعزيز التنمية الإقليمية لدعم الشركات الناشئة في مختلف المحافظات.

تستهدف المبادرة تخفيف المخاطر لكل من المؤسسين والمستثمرين من خلال تنويع خيارات التمويل المتاحة، وتسريع التعلم من إخفاقات المراحل المبكرة، وتأسيس مسارات أوضح للنمو والتخارج، حسبما صرح به مازن نديم، الشريك الإداري في شركة فاوندشين فينشرز المتخصصة في رأس المال المغامر، في حديثه مع إنتربرايز.

يمثل الدعم الائتماني الجديد للديون الاستثمارية إشارة حاسمة في السوق موجهة إلى المستثمرين المؤسسيين، وفق ما ذكره نديم. وأضاف أنه في حين تظل تحديات الاقتصاد الكلي هي المعيار الحاسم لقرارات المستثمرين الأجانب، فإن هذا الدعم يحسن بشكل ملموس ملف المخاطر على مستوى المعاملات الفردية. ويشير هذا التحول إلى الانتقال من “الحلول الحكومية المؤقتة” إلى إضفاء طابع مؤسسي ومنهجي على عملية خفض المخاطر.

التركيز على الاختناقات التنظيمية والتعقيدات الضريبية

يقدم الميثاق نظاما ضريبيا يهدف إلى خفض حواجز الدخول وتخفيف العبء المالي على الشركات في مراحلها الأولى. ستخضع الشركات التي تصل إيراداتها السنوية إلى 20 مليون جنيه لضريبة دخل قطعية تتراوح بين 0.4% و1.5%، مع إعفائها من ضريبة الأرباح الرأسمالية، وتوزيعات الأرباح، والدمغة، ورسوم التوثيق. وتشمل إجراءات الدعم التشغيلي عملية تأسيس رقمية بالكامل تكتمل خلال يوم عمل واحد، وضريبة جمركية موحدة بنسبة 2% على الآلات المستوردة، وخطط تقسيط لمدة ستة أشهر لمستلزمات الإنتاج.

نظرة مستقبلية: تدرس الدولة توسيع هذا النظام ليشمل الشركات التي تصل إيراداتها إلى 50 مليون جنيه. وبالنسبة للمستثمرين، يعترف الميثاق رسميا بالسندات القابلة للتحويل، ويقدم أطرا تنظيمية لشركات الاستحواذ ذات الغرض الخاص وهياكل الشراكة في صناديق الاستثمار (GP/LP)، مما يجعل مصر متوافقة مع المعايير الدولية للاستثمار المباشر. كما تتضمن الحزمة مسارا سريعا للتراخيص وآلية للتصفية خلال 90 يوما لتمكين إعادة توظيف رأس المال والمواهب بكفاءة.

التوسع والاستفادة من التعاقدات الحكومية

توظف الدولة ميزانيتها لتعزيز المنظومة المحلية، فقد ألزمت الجهات الحكومية بتخصيص 40% من مشترياتها للشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. ويشمل هذا حصة محددة بنسبة 20% للشركات الأصغر، وأفضلية سعرية بنسبة 15% للشركات المصرية في المناقصات العامة. وإلى جانب حصص المشتريات، يستخدم الميثاق سلاسل الإمداد الحكومية لتحديث القطاعات التقليدية من خلال إلزام الشركات المملوكة للدولة بدمج الشركات الناشئة في عملياتها.

أطلق الميثاق “برنامج دعم الشركات في مرحلة التوسع”، الذي يستهدف الشركات الناشئة الناضجة التي جمعت تمويلات تزيد على 10 ملايين دولار أو التي مر على تأسيسها أكثر من سبع سنوات. ويهدف البرنامج إلى خلق شركات يونيكورن عبر تقليل العقبات البيروقراطية، ودعم الجاهزية للطرح العام، وتسهيل التخارج الاستراتيجي.

ستستثمر مبادرة “التحالف والتنمية” 150 مليون جنيه على مدى ثلاث سنوات في تحالفات الابتكار ذات التأثير القطاعي، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الزراعية، والتكنولوجيا الخضراء. ويتكامل هذا مع حوافز غير ضريبية لخفض تكاليف التشغيل، تشمل التدريب الفني المدعوم، والإعفاء من رسوم تسجيل الملكية الفكرية، والحصول على الخدمات الصناعية بأسعار أقل 30% من أسعار السوق.

التوسع عالميا والتوظيف محليا

يدعم الميثاق التوسع الدولي من خلال تأشيرات متعددة الدخول لمدة خمس سنوات للمؤسسين والمستثمرين، إلى جانب مسار دبلوماسية التكنولوجيا لمساعدة الشركات المصرية على دخول الأسواق الأفريقية والأوروبية. وتستهدف الخطة أيضا ربط الشركات الناشئة بأنظمة الرواتب الدولية العالمية مثل Gusto وPapaya Global، مما يتيح للمواهب التقنية المحلية العمل لدى شركات دولية مع بقائها جزءا من المنظومة المصرية.

يطلق الميثاق أيضا حملة استراتيجية لتأهيل مليون مبتكر عبر منصة رقمية جديدة. ومن أجل ترسيخ هذه المواهب محليا، يفرض الميثاق معايير عمل لائقة ويقدم حوافز ضريبية للتوظيف الشامل، بما في ذلك زيادة حد الإعفاء من ضريبة الدخل بنسبة 50% لكل موظف من ذوي الهمم. في غضون ذلك، ستعيد الحكومة إطلاق منصة “إبداع مصر” (EgyptInnovate) هذا الشهر لتكون مركزا رئيسيا للربط مع المستثمرين وتوفير بيانات السوق، بهدف تقليل نقص المعلومات.

ما أهمية ذلك

يعني تفعيل الميثاق نهاية الغموض التنظيمي، حسبما أكد نديم. فمن خلال الاعتراف الرسمي بالشركات الناشئة بصفتها فئة مستقلة، تقضي الحكومة على نقاط احتكاك رئيسية تتعلق بالتسجيل والضرائب والامتثال. إذ يعزز هذا الوضوح الثقة ويغير بشكل جذري كيفية ضخ المستثمرين لرأس المال، مما يتيح استثمارات أسرع وأبكر وأكثر قناعة في بيئة تشغيلية قابلة للتنبؤ.

ميزة تنافسية: يمثل الميثاق نهجا استراتيجيا لمنافسة الدعم المالي الضخم الذي تقدمه الرياض ودبي، وفقا لنديم. فبدلا من الاعتماد على الحوافز النقدية، يضع الميثاق مزايا مصر في الصدارة، التي تتمثل في سوق محلي ضخم، وكفاءة في التكلفة، ووفرة في المواهب. وينصب التركيز هنا على بناء شركات حقيقية ومستدامة ذات مقومات قوية، بدلا من السعي وراء مكاسب قصيرة الأجل مدفوعة بالحوافز.

نظرة مستقبلية: خلال خمس سنوات، سيُقاس نجاح الميثاق بمدى كفاءة دوران رأس المال داخل المنظومة، بحسب نديم. “إذا نجح الميثاق في تسريع انطلاق المؤسسين، والتخارج بواقعية، وإعادة ضخ رأس المال فورا في الجيل القادم من المشروعات المصرية، فسيكون قد حقق هدفه”.