🏭 توطين التصنيع يضع مصر في صدارة استثمارات السيارات إقليميا: لم تعد مصر مجرد سوق استهلاكية للسيارات، بل تتحول تدريجيا إلى منصة تصنيع إقليمية، مدفوعة بتحولات سلاسل الإمداد العالمية، وتغير استراتيجيات المستثمرين، وسياسات حكومية تستهدف تعميق التصنيع المحلي، وفقا لتقرير وحدة أبحاث “بي إم أي” التابعة لفتش سوليوشنز. ويعزز هذا التحول تسارع وتيرة توطين الصناعة، وتوسع قاعدة الإنتاج، وعودة اهتمام الشركات العالمية والإقليمية بالسوق المصرية.

ما الذي تغير؟ أصبحت مصر الوجهة الأكثر جذبا لاستثمارات السيارات الجديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متقدمة على أسواق تقليدية بفضل سياسات دعم التصنيع ونمو الطلب المحلي، وموقعها كمركز تصديري محتمل. كما تحول تركيز المستثمرين من التجميع التقليدي إلى تصنيع المكونات وسلاسل القيمة، بحسب “بي إم أي”.

التوطين محرك الاستثمار: يمثل توطين الصناعة الركيزة الأساسية لموجة الاستثمارات، مع توسع الاهتمام بالمكون المحلي والمركبات التجارية والحافلات إلى جانب سيارات الركوب. ويعد البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات المحرك الرئيسي، إذ يربط الحوافز بعمق التصنيع والتصدير. وقد تسمح الحوافز باسترداد 60–80% من التكاليف عند تحقيق المستهدفات، بحسب الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات خالد سعد، الذي أشار إلى أن الشركات الصينية تتجه للشراكات الصناعية والتصنيع المشترك، بما يعزز فكرة مصر كمنصة إنتاج وتصدير.

تحولات تنظيمية داعمة: تراجع الحكومة عن قصر استيراد قطع الغيار على الوكلاء في بورسعيد خفف ضغوط التكلفة وعزز المنافسة، فيما خصصت الدولة 1.5 مليار جنيه لدعم التوطين، مع انضمام سبع شركات للبرنامج الوطني حتى الآن.

الطلب المحلي يتعافى بالفعل: بعد عامين من الركود القاسي، سجلت مبيعات السيارات في مصر قفزة بنسبة 69.9% على أساس سنوي في عام 2025، إلى 173.8 ألف مركبة، وفق بيانات صادرة عن مجلس معلومات سوق السيارات المصري (أميك). وجاء هذا الانتعاش مدفوعا بزيادة مبيعات الحافلات بنسبة 53.6%، ومبيعات السيارات الملاكي بنسبة 64.4%، وقفزة هائلة في مبيعات الشاحنات بلغت 108.4%.

كيف تبدو مصر في مشهد المنافسة إقليميا؟ في الوقت الذي لا تزال فيه بعض أسواق المنطقة تعتمد على التجميع أو الاستيراد، ترى “بي إم أي” أن مصر تستفيد من حجم سوقها الكبير، وتوافر العمالة الصناعية، وقاعدة الموردين المحليين القابلة للتوسع، وهو ما يمنحها أفضلية نسبية على المدى المتوسط والطويل. لكن دول أخرى في المنطقة، مثل المغرب، تواصل جذب استثمارات موجهة للتصدير إلى أوروبا، بينما تركز دول الخليج على التقنيات المتقدمة والسيارات الكهربائية، وهو ما يضع مصر في موقع مختلف، أقرب إلى سوق تصنيع شاملة تخدم الطلب المحلي والإقليمي. ويرى سعد أن التوسع الصيني يعزز موقع مصر كمركز إنتاج وإعادة تصدير لأفريقيا والشرق الأوسط.

مرحلة تأسيس قطاع السيارات الكهربائية: رغم تأخر نسبي مقارنة ببعض دول المنطقة، تتجه الاستثمارات نحو التنفيذ. فقد بحثت وزارة الصناعة مع “سين كارز” البلغارية تصنيع سيارات كهربائية بالشراكة مع كيان محلي، ربما يكون النصر للسيارات، مع إنشاء مركز بحث وتطوير ونقل التكنولوجيا. كما تركز الدولة على التعاون مع مصنعين قائمين والالتزام بمعايير البرنامج الوطني لتقليل زمن الدخول للإنتاج وتحقيق تنافسية سعرية في سوق تتزايد فيه الطرازات المجمعة محليا سواء التقليدية أو الكهربائية.

الموجة الصينية تقود التصنيع العميق: إذا كان اللاعبون التقليديون (مثل نيسان وجيلي) يعززون تواجدهم في مصر، فإن الشركات الصينية هي التي تقود الموجة الجديدة من التصنيع العميق والسيارات الكهربائية:

  • جايد للتكنولوجيا وقعت اتفاقا بقيمة 63.9 مليون دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتصنيع السيارات الكهربائية والبطاريات وبعض المكونات التقنية.
  • جينباي بدأت التجميع المحلي بمصنع عز العرب السويدي بطاقة أولية 3 آلاف شاحنة خفيفة، مع خطط لتجميع السيارات الكهربائية في مرحلة لاحقة.
  • مجموعة الأمل تستثمر 20 مليون دولار لتجميع ثلاثة طرازات من علامة “فورثينج” الصينية (بنزين وهجين وكهرباء) بحلول نهاية 2026، مع مستهدف تصدير 30-50% من الإنتاج.
  • كايي أيضا وقعت اتفاقية للتجميع المحلي، للاستفادة من مصر كمنصة خلفية للوصول إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية تحت مظلة اتفاقيات التجارة الحرة.

بعد بيع نيسان مصنعها في جنوب أفريقيا، أصبح مصنعها في مصر قاعدة تصنيع الركاب الوحيدة بالقارة، إذ ضخت 55.9 مليوندولار وتسارع الخطى لتوطين الصناعة في مصر، مستهدفة عائدا دولاريا يتجاوز 120 مليون دولار بحلول 2026.

اهتمام أوروبي متزايد: اختارت مجموعة بياجيو الإيطالية مجموعة أبوغالي موتورز موزعا وممثلا رسميا لعلاماتها في مصر، مع توجه لتصنيع بعض الطرازات محليا وجعل السوق المصرية منصة للتصدير إلى أفريقيا والشرق الأوسط، في خطوة تعكس اتساع اهتمام المصنعين الأوروبيين بالتوطين في مصر.

ما نترقبه: اختبار فعلي للنموذج المصري مع تفعيل التجارة الحرة الأفريقية، وقياس قدرة مشاريع البطاريات — مثل جايد — على نقل الصناعة إلى مستويات تقنية أعلى. ويبقى التحدي الأهم تعميق سلاسل القيمة المحلية وجذب مزيد من موردي المكونات لبناء منظومة صناعية متكاملة.