بمجرد أن تقود سيارتك في شوارع القاهرة، ستجد أن المشكلة تفرض نفسها بلا حاجة إلى تفسيرها: أكوام من الركام تحتل الأرصفة، وكتل خرسانية محطمة تحاصر الكباري، وقوالب الطوب وأكوام الرمل والمونة والغبار على جانبي الطرق، وكأنها معالم ثابتة. ففي ظل الطفرة العقارية الحالية، لا تتوقف أعمال التشييد في مصر أبدا، ويصاحبها كذلك أعمال الهدم.

"لدينا مدينة كبيرة، ومن حسن الحظ أن مدينتنا الكبيرة هي موقع بناء دائما"، حسبما يقول أدهم المهدي، رئيس قطاع الاستدامة في شركة "لافارج مصر" والمدير العام لشركة جيوسايكل، الذراع المسؤولة عن إدارة المخلفات بالشركة، خلال حديثه إلى إنتربرايز. وأوضح المهدي أن أعمال الهدم لا تتوقف هي الأخرى. لا يمثل هذا الوضع حالة فريدة تقتصر على مصر، لكنها تتجلى هنا بوضوح أكبر بسبب وتيرة التشييد المتسارعة — سواء أكانت كباري أم طرقا أم مجمعات سكنية — واستمرار تدفق رؤوس الأموال إلى القطاع العقاري.

في الأساس، تتشكل مخلفات البناء والهدم — أو ما تعرف بتراكمات "الرتش" — من مواد "المونة" الخام في صورتها الأولية، وبدلا من استغلالها مجددا في دورة البناء، ينتهي بها المطاف باعتبارها عبئا يجب التخلص منه. يضيف المهدي: "لا تزال عشرات الملايين من أطنان المخلفات دون إدارة أو استغلال حقيقي". وما يزيد من تعقيد المشكلة هو غياب البيانات المرجعية الوطنية الواضحة، إذ تتفاوت تقديرات حجم المخلفات السنوية تفاوتا كبيرا، مع غياب بيانات رسمية حديثة ومتاحة للجمهور. وتلك الفجوة في البيانات تزيد من صعوبة وضع السياسات، وتضعف آليات التنفيذ، وتطرد الاستثمارات من قطاع يعتمد أساسا على الحجم والقدرة على التنبؤ كي يعمل بكفاءة.

ولا تكمن المشكلة في إعادة الاستخدام، بل في الجدوى الاقتصادية. فبعد الفرز والكسر، يمكن لمخلفات الخرسانة النقية أن تحل جزئيا محل المقاسات الصغيرة من "السن" في الخلطات الخرسانية الجديدة، في حين يمكن إعادة استخدام مخلفات الهدم المختلطة مع المقاسات الأكبر من "السن"، التي يكون لها استخدامات أخرى. كذلك يعاد تدوير حديد التسليح في إنتاج الصلب، ويمكن لأجزاء أخرى أن تستخدم مدخلات خام في صناعة الأسمنت. ويؤكد المهدي: "السوق اليوم لا يرفض أي مادة مادامت تؤدي الغرض.. إلا إذا كانت الحسابات الاقتصادية غير مجدية".

في سوق اليوم، الخيار الأرخص هو الرابح دائما

تميل الكفة ضد إعادة التدوير بسبب ارتفاع تكاليف نقل ومعالجة هذه المواد. "التكاليف اللوجستية وحدها تضع تكاليف ثابتة على سعر الطن، مما يفقد المواد المعاد تدويرها تنافسيتها السعرية مقابل البدائل في صورتها الأولية"، بحسب المهدي. ويضيف: "بمجرد حساب تكاليف الجمع والنقل والمعالجة، تجد المواد المعاد تدويرها نفسها في مواجهة سوق تكون فيه المدخلات الأولية أرخص هيكليا". علاوة على ذلك، لا يخضع سوق الإنشاءات في مصر لضوابط مماثلة لأوروبا، إذ تُلزم القوانين هناك باستخدام مواد معاد تدويرها ومنخفضة الانبعاثات، مما يعني أن الاستدامة وحدها لا تحرك قرارات الشراء هنا.

يكمن الحل في رفع تكلفة التخلص من المخلفات لدرجة تجعل إعادة التدوير خيارا تنافسيا. ويرى المهدي أنه "إذا استمر التعامل مع المخلفات على أن قيمتها لا تذكر، فلن يتمكن النظام من تمويل نفسه أبدا". فاليوم، يمكن للمقاولين التخلص من المخلفات مقابل مبالغ زهيدة تتراوح بين 15 و50 جنيها للطن، وفي بعض الحالات، يدفع القائمون على التدوير مبلغا رمزيا للحصول عليها. ولذا فإن رفع رسوم التخلص من المخلفات إلى حوالي 400 جنيه للطن من شأنه أن يقلب هذه المعادلة، ويحول ما يُهدر حاليا في المدافن أو المقالب العشوائية إلى رسوم تفريغ تتدفق إلى شركات التدوير — مباشرة أو عبر الدولة — مما يساعد في تغطية تكاليف المعالجة والنقل ويجعل المواد المعاد تدويرها مجدية تجاريا.

هل تضيع الدولة فرصة استثمارية؟ وفقا لتقديرات المهدي، تمثل مخلفات البناء والهدم، إذا جرى تسعيرها وإدارتها بشكل صحيح، فرصة بمليارات الجنيهات، قادرة على تمويل بنية تحتية جديدة لإعادة التدوير، وخلق فرص عمل، وإمداد السوق ببدائل أرخص. وتدعم المؤشرات الاقتصادية الكلية هذا التوجه، وهو ما يتمثل في تقليل الاعتماد على المحاجر، وخفض الأنشطة التعدينية، وتقليل استهلاك الوقود والمعدات، وتخفيف عبء التصاريح وفواتير النقل. ويقول المهدي: "كل المؤشرات تدل على أن المصلحة العامة تقتضي إعادة النظر في نموذج العمل الخاص بهذه المشكلة"، التي وصفها بأنها "فرصة صناعية ضائعة" وليست مجرد ملف لإدارة المخلفات.

وتصبح مخاطر تجاهل هذا الملف مثيرة للقلق عند النظر إلى ما يحدث في الجوار؛ فقد خلفت الحرب في غزة ما يتراوح بين 60 إلى68 مليون طن من الركام، معظمها من الخرسانة والطوب والمعادن. وأشار المهدي إلى أنه "لا يمكن تصدير هذه الكميات، بل يجب إعادة تدويرها في مكانها". إذ يرى أن هذا الواقع يتطلب إطارا تمويليا واضحا — مدعوما من المانحين أو التمويل العام — لأنه ببساطة لا توجد بدائل أخرى.

خارطة الطريق: ما الذي يجب فعله؟

يبدأ الحل بخلق طلب مستقر. إذ يمكن للحكومة أن تفرض زيادة تدريجية في نسبة المواد المعاد تدويرها المستخدمة في الخرسانة، ثم تعميم قواعد مماثلة على الطوب وأحجار الرصف ومشروعات الطرق. وبالتوازي مع ذلك، يجب أن تعكس رسوم التخلص من المخلفات التكلفة الحقيقية لهذه العملية؛ لأن الرسوم المرتفعة ستثني الشركات عن استخدام المدافن وتجعل التدوير مجديا ماليا. ومع وجود إشارات سعرية واضحة وطلب مضمون، ستمتلك منشآت التدوير الثقة للاستثمار والتوسع. ويمكن أن يُنفذ هذا عبر تطبيق تدريجي — يبدأ بمتطلبات الإفصاح والتقارير وصولا إلى مستهدفات ملزمة — لمنح الشركات وقتا للتكيف.

ويتمثل التحدي الأكبر في التنسيق. يعمل قطاع التشييد في جزر منعزلة، مع أن التكاليف والانبعاثات تتشكل عبر السلسلة بأكملها. إذ تحدد خيارات التصميم وحدها جانبا كبيرا من البصمة البيئية للمبنى على المدى الطويل. وتمثل المواد المستخدمة أثناء البناء نحو 30% من الانبعاثات، في حين تمثل الطاقة المستهلكة بعد الانتهاء الـ 70% المتبقية. فإذا لم يعمل المصممون والجهات التنظيمية والمطورون والموردون ضمن إطار واحد، سيبقى التقدم نحو مبان أكثر كفاءة واستدامة بطيئا وغير متكافئ.