اقترب الجنيه من حاجز الـ 50 أمام الدولار أمس الاثنين للمرة الأولى منذ عشرة أشهر، مع تسبب التوترات الجيوسياسية في إطلاق دورة ضغوط مألوفة. وسرّع المستثمرون الأجانب وتيرة تخارجهم من أدوات الدين المصرية، في حين سارع المستوردون لتأمين اعتمادات مستندية للنفط والقمح والسلع الغذائية الأساسية الأخرى. وأدت هذه الضغوط إلى اهتزاز المعنويات لفترة وجيزة — إلى أن شهد السوق تحولا غير متوقع.
ومع نهاية اليوم، تحولت شهية المستثمرين الأجانب نحو أدوات الدين الأطول أجلا. فقد جذب عطاء لسندات الخزانة طلبات ضخمة بقيمة 117 مليار جنيه، مقارنة بالمبلغ المستهدف جمعه وهو 28 مليار جنيه، مما يشير إلى أنه في حين كانت الأموال قصيرة الأجل تتخارج، كان المستثمرون على المدى الطويل يتمركزون لاقتناص العوائد. وفي البنك الأهلي المصري، جرى تداول العملة الخضراء عند 49.17 جنيه للشراء و49.27 جنيه للبيع. وفي البنوك الخاصة، ارتفع سعر البيع ليصل إلى 49.85 جنيه.
وقفزت تعاملات سوق الإنتربانك لتتجاوز 730 مليون دولار، ارتفاعا من 600 مليون دولار يوم الأحد، مع تلبية البنوك لكل من طلبات الاستيراد وتخارجات المستثمرين. وتباطأت التدفقات الخارجة من السوق الثانوية إلى 297 مليون دولار. السوق تتحرك وفق منطق "اشترِ وقت الحرب وبِع وقت السلم"، وفق ما صرح به مصدر مصرفي بارز لإنتربرايز، مشيرا إلى ارتداد أسواق الأسهم والدين بحلول اليوم الثالث للصراع.
ومع ذلك، يرى البعض أن حاجز الـ 50 جنيها سيصمد في حال تصاعدت التوترات. وقال مصدر مصرفي آخر إن سعر الصرف قد "يختبر قريبا مستويات تتجاوز 50 جنيها" إذا طال أمد الحرب في الخليج. وارتفعت التدفقات الخارجة بالفعل من 600-700 مليون دولار في منتصف الأسبوع الماضي لتصل إلى نحو 1.3 مليار دولار، مع إمكانية زيادتها إلى 1.6 مليار دولار. ويرى عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال، أنه في مثل هذا السيناريو، قد يتحرك سعر الصرف نحو نطاق 50-51 جنيها. وفي حالة التصعيد الشديد، قد تقترب التدفقات الخارجة من ملياري دولار يوميا، مما يدفع السعر نحو مستوى 52-53 جنيها.
ويرى آخرون نطاق تداول أوسع: تتوقع سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية المخضرمة ونائبة رئيس بنك مصر سابقا، أن يتأرجح السعر بين 47 و53 جنيها بحسب مسار الصراع.
تذكر — هذا أمر صحي — إنها آلية السوق تعمل كما ينبغي. سعر الصرف هو أداة تساعد الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية. ونعتقد أن صناع السياسات، بما في ذلك البنك المركزي المصري، قد استوعبوا الدرس ولن يلجأوا إلى استنزاف الاحتياطيات أو ممارسة ضغوط غير معلنة على البنوك. فحين نرفض السماح لسعر الصرف بالتحرك بحرية، تتراكم الاختلالات ونستيقظ ذات صباح لنجد سوقا سوداء للعملة الصعبة.
السؤال المطروح: هل سيتدخل البنك المركزي المصري؟ ومتى؟ وكيف؟، في الوقت الذي يواجه فيه الجنيه أكبر اختبار له منذ تعويم مارس 2024.
ما يجب مراقبته: سيرغب مجتمع الأعمال في رؤية البنك المركزي (أ) يؤجل استجابته لأطول فترة ممكنة، تاركا ديناميكيات السوق تأخذ مجراها، و(ب) أن يتم أي تدخل بشكل معلن بالكامل. وبدلا من ذلك، تكمن الخطوة السياسية الذكية في استخدام السياسة المالية — بما في ذلك الدعم المباشر للصناعات أو المواطنين ذوي الدخل المحدود المتضررين مما يحدث في الخليج — لمعالجة تأثير الحرب على مصر.
وشبه الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح دور البنك المركزي بـ "حزام الأمان" — فهو موجود، لكنه لا يستخدم إلا في لحظات الخطر الشديد. وإذا تعرض الجنيه لضغوط حادة أو سجل خسائر يومية تتراوح بين 2-3%، فقد يتدخل البنك المركزي لتهدئة الأسواق ومنع الذعر، وليس للدفاع عن سعر محدد، وفق أبو الفتوح.
أدوات الطوارئ جاهزة، لكن لم يجر تفعيلها بعد. وأفادت مصادر لإنتربرايز أن البنك المركزي يراقب التطورات من كثب، وقد يعقد اجتماعا استثنائيا للجنة السياسة النقدية إذا لزم الأمر. وإذا استدعت الظروف ذلك، فإن رفع أسعار الفائدة بمقدار 100-200 نقطة أساس قد يعزز أسعار الفائدة الحقيقية ويجذب الأموال الساخنة مجددا، مما يعكس جزئيا التخفيضات التراكمية البالغة 825 نقطة أساس التي جرى إقرارها في الأشهر الأخيرة. العقبة الوحيدة؟ هذا من شأنه أن يدفع تكاليف الاقتراض على الدولة للارتفاع مجددا.
الثبات على الموقف: لا يزال كل من الدماطي وعبد العال يعتقدان أن اجتماع أسعار الفائدة في أبريل 2026 سيشهد إبقاء البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير، ما لم يتضح التأثير التضخمي الناجم عن اضطرابات سلاسل الإمداد بشكل أكبر.
المرونة — وليس الدفاع عن العملة — هي الركيزة الأساسية. وأوضح عبد العال أن السماح لسعر الصرف بالتحرك يساعد في امتصاص الصدمات المؤقتة ويشجع التدفقات الأجنبية على العودة، مع منع عودة ظهور سوق موازية للعملات الأجنبية، والتي شدد على أن البنك المركزي "لن يتسامح معها على الإطلاق". وأشار مصدر مصرفي آخر تحدثنا إليه إلى أن مرونة العملة توفر للمستثمرين "إمكانات صعود أكبر عند مستويات الدخول الحالية" مقارنة بنظام الصرف الثابت.
وبدا أن هذا المنطق يتجلى بوضوح في عطاء السندات يوم الاثنين. فبينما قلص المستثمرون الأجانب انكشافهم على أذون الخزانة قصيرة الأجل، تدفقوا بكثافة نحو السندات لأجل عامين، مقدمين عطاءات بقيمة 97 مليار جنيه مقابل مستهدف بلغ 8 مليارات جنيه. ووصف مسؤول حكومي هذا التحول بأنه تصويت بالثقة في النظرة المستقبلية لمصر على المدى المتوسط بمجرد انحسار التوترات الجيوسياسية، مع سعي المستثمرين لتأمين عوائد مرتفعة تتراوح بين 26-28%. ولليوم الثاني على التوالي، رفضت وزارة المالية قبول عروض العوائد المرتفعة، متمسكة بالأسعار الحالية.
ويرى المحللون أن الوضع مختلف جذريا عن أزمة عام 2022 — فوضعنا الهيكلي أقوى بكثير مما كان عليه خلال صدمة الحرب الروسية الأوكرانية. ومنذ أوائل فبراير، سجلنا 1.9 مليار دولار كصافي تدفقات أجنبية خارجة من السوق الثانوية لأذون الخزانة، بالتوازي انخفاض قيمة العملة بنسبة 4.4%.
التخارج السلس أمر إيجابي: تشير نعمت شكري رئيسة قسم البحوث في شركة إتش سي لتداول الأوراق المالية إلى أن الطبيعة المنظمة لهذه التخارجات ستعزز ثقة المستثمرين على المدى الطويل، وتثبت أن الأموال يمكن أن تخرج بسلاسة حتى في أوقات التقلبات.
تبلغ استثمارات الأجانب في أدوات الدين المحلية نحو 45 مليار دولار حاليا وتُدار في حسابات منفصلة لتجنب الاضطرابات النظامية، حسبما أشار عبد العال. وتمتلك مصر الآن احتياطيات أجنبية بقيمة 52.6 مليار دولار، في حين يظهر صافي الأصول الأجنبية فائضا قدره 29.5 مليار دولار — وهي هامش أمان صُمم خصيصا للحظات كهذه.
لكن الصورة الكلية لا تزال حساسة. وأشارت الدماطي إلى أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز دفعا أسعار النفط نحو 80 دولار للبرميل. وتحسنت حركة المرور في قناة السويس لكنها تظل دون هدف الإيرادات السنوية البالغ 10 مليارات دولار، كما يضغط الطيران الإقليمي على السياحة — وهو القطاع الذي تعتبره الدماطي الأكثر عرضة للتأثر بالأزمة الحالية. ويحذر أبو الفتوح من أن السيولة هي أداة للمناورة، وليست حصنا دائما.
الخلاصة: في حين تمتلك مصر الأدوات اللازمة لامتصاص الصدمات قصيرة الأجل، فإن التوترات الممتدة قد تفرض عليها الاختيار بين تأجيل دورة التيسير النقدي أو قبول مخاطر تضخمية أعلى. والمهم هنا هو أن أي استجابة على صعيد السياسات يجب أن تجري في العلن، وليس من خلال تعليمات شفهية خلف الكواليس.