🏭 كيف تختبر مصر أول نموذج دائري قابل للتطبيق في قطاع الإلكترونيات؟ تخوض مصر واحدة من أكثر التجارب طموحا في تحويل الاقتصاد الدائري من مفهوم نظري إلى ممارسة تشغيلية قابلة للتطبيق داخل قطاع الإلكترونيات، عبر مبادرة “دايرة واحدة ” المدعومة من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو).
المبادرة — التي تأتي ضمن برنامج سويتش تو سي العالمي بإجمالي تمويل 21 مليون يورو — لا تهدف فقط إلى تقليل الهدر والحد من النفايات الإلكترونية، بل تعمل على بناء سلسلة قيمة كاملة تعيد الأجهزة إلى دورة الاستخدام عبر الإصلاح والتجديد والتجميع. ومع توسع الشراكات وتأسيس مراكز متخصصة لصيانة معدات الشبكات وتجديد الهواتف، تأخذ مصر خطوة أولى نحو هدف أكبر: تحويل البلاد إلى مركز إقليمي لإعادة تأهيل معدات الاتصالات وخدمات الدعم الفني في المنطقة.
ما نعرفه عن المبادرة: تركز المبادرة على التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر في قطاع الإلكترونيات، عبر تشجيع صيانة الأجهزة الإلكترونية وإعادة تدويرها بدلا من التخلص منها. وتهدف إلى دعم الانتقال إلى الاقتصاد الدائري في سلسلة قيمة الإلكترونيات في مصر، والحد من السموم الناتجة عن التخلص غير المسؤول للأجهزة الإلكترونية، فضلا عن رفع الوعي في المجتمعات الريفية حول أهمية إعادة الاستخدام والإصلاح والتدوير، وتمكين المواطنين والمؤسسات من المشاركة الفعالة في هذه المنظومة المستدامة لتحويل النفايات الإلكترونية إلى موارد قابلة للاستخدام مجددا.
تحويل الاقتصاد الدائري إلى ممارسة قائمة بالفعل وذات جدوى: نجحت مبادرة دايرة واحدة في تحويل مفهوم الاقتصاد الدائري من إطار نظري إلى برنامج تنفيذي يعمل على مستوى الإصلاح والتجديد وجمع المخلفات الإلكترونية، وهو ما جعل قطاع الاتصالات أول قطاع محلي يمتلك منظومة كاملة لإعادة الاستخدام، وفقا لما قالته موجي دولون، مديرة البرنامج في اليونيدو. كما أنشئ مركزان متخصصان يمثلان قاعدة تشغيلية مهمة للقطاع، الأول خط إصلاح وحدات الشبكات بالشراكة مع نوكيا ودي إس في، والثاني مركز لتجديد الهواتف الذكية بالتعاون مع أبجريد وإي تدوير وأورانج مصر، بحسب دولون.
والنتيجة: من خلال تطبيق المبادرة، جرى إصلاح أكثر من 300 وحدة شبكات محليا بالتعاون مع الشركة المصرية للاتصالات وأورانج مصر، وفقا لما كشفته مديرة نوكيا مصر رضوى حافظ. كما بيع أكثر من 1300 هاتف ذكي مجدد بضمان معتمد عبر منافذ أورانج، بإيرادات بلغت نحو 40 مليون جنيه، بحسب مديرة المشتريات وسلاسل الإمداد لدى أورانج مصر هبة إسماعيل.
يأتي هذا بالإضافة إلى جمع 10.22 طنا من المخلفات الإلكترونية وأكثر من ألفي هاتف عبر قنوات التجميع الرسمية، فضلا عن توفير أكثر من 60 وظيفة خضراء وتطوير مهارات الفنيين في تقنيات الإصلاح المتقدمة، وتوسع شبكة الشركاء من 15 إلى 44 شريكا خلال عامين، وفقا لبيان صحفي (بي دي إف). كما ساعد تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري في تجنب 70918 كيلو جرام من انبعاثات الكربون، بجانب الحد من المخلفات الإلكترونية المتداولة بشكل غير رسمي.
لماذا مصر بالتحديد؟ الشركات المتقدمة للمبادرة – والتي بلغ عددها 3 إلى 4 شركات – هي التي اختارت مصر كبلد للتنفيذ، دون أي توجيه من “يونيدو”، حسبما أوضح مارك درايك كبير المستشارين التقنيين باليونيدو لإنتربرايز. والأسباب واضحة: “السوق المصرية الكبيرة والموقع الجغرافي المهم وقطاع الاتصالات النشط الذي يضم نحو 500 ألف متخصص والاستهلاك المرتفع للأجهزة الإلكترونية يقابله تزايد ملحوظ في حجم النفايات الإلكترونية”.
اختيار مصر ليس صدفة، والهدف على المدى المتوسط هو تحويلها إلى مركز إقليمي لأنشطة إعادة تأهيل وصيانة وإعادة تدوير معدات الاتصالات في المنطقة، وفقا لما قاله درايك.
تحديات وحلول: تتمثل الفجوة الرئيسية في ضعف كميات وكفاءة الأجهزة التي يجرى جمعها، وأيضا في غياب آليات التجميع الواسعة والفعالة. لكن، يجري العمل على إصدار منشور تنظيمي مطلع العام المقبل لتقييم الإطار القانوني واقتراح التعديلات الممكنة، وفقا لما قاله درايك لإنتربرايز. كما تعترض المبادرة بعض التحديات التنظيمية التي تناقشها اليونيدو حاليا مع الجهات الحكومية المختلفة، ومن المقرر أن تصدر المنظمة أوائل العام المقبل تقريرا تحليليا يتناول الإطار التشريعي لقطاع تدوير المخلفات الإلكترونية، ويوضح مكمن الفرص والفجوات في السوق، حسبما أضاف.
كما تتجه مبادرة دايرة واحدة خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع نطاق التجديد والإصلاح وتعزيز آليات التجميع، عبر خارطة طريق تشمل توسعة قدرات مراكز الإصلاح والتجديد وتقوية منظومات جمع المخلفات الإلكترونية رسميا، إلى جانب دعم الإطار التنظيمي المرتبط بالإصلاح وإعادة الاستخدام، ورفع ثقة السوق في الأجهزة المجددة عبر معايير ضمان وفحص أكثر صرامة.
تركز المبادرة كذلك على تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجديد معدات الاتصالات وخدمات الدعم الفني لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، وتوسيع قاعدة المشغلين المشاركين في مبادرات التجديد، وإضافة تقنيات جديدة في التجديد تشمل معدات الأي بي ومعدات الألياف البصرية، وعقد شراكات جديدة مع كيانات مثل راية للتجارة والتوزيع والجريك كامبس لتوسيع التطبيق.
التمويل ليس التحدي الأساسي: يمول المشروع حاليا عبر منحة ومساعدة تقنية من يونيدو بقيادة الاتحاد الأوروبي وحكومة فنلندا، إذ لا تقدم اليونيدو قروضا أو تمويلا مباشرا، لكنها تساعد على اختبار نماذج الأعمال لإثبات جدواها، حسبما أوضح درايك لإنتربرايز.
التمويل والخطوط الائتمانية متوفرة في مصر، ولكن التحدي الحقيقي هو غياب نماذج أعمال مستدامة يمكن للممولين تقييم مخاطرها، بحسب درايك، الذي أكد على العمل مع بنك الاستثمار الأوروبي على بناء قدرات البنوك المحلية لتمكينها من تقييم مشروعات إعادة التدوير والصناعات الدائرية بشكل أكثر دقة وبالتالي تمويل الاستثمارات الدائرية.
التحدي الأكبر؟ الحجم والجودة: أي نشاط لإعادة التدوير لا ينجح دون توفر حجم كبير وجودة مناسبة من المنتجات، حسبما أوضح درايك. “نحتاج إلى كميات كبيرة من الهواتف والمعدات الإلكترونية لجذب استثمارات القطاع الخاص. وهذا ما نعمل عليه من خلال شراكات جديدة لجمع الأجهزة من منافذ البيع”.
قطاع المنسوجات على الرادار: تستعد يونيدو لإضافة شركتين مصريتين جديدتين من قطاع المنسوجات إلى المبادرة خلال 2026، وفقا لما كشفه درايك لإنتربرايز، دون الكشف عن أسمائهما لحين توقيع الاتفاقات رسميا. وأشار إلى أن هذا يتكامل مع مشاريع أخرى نفذتها اليونيدو سابقا في مصر لدعم التحول الأخضر في قطاع النسيج.
دور اليونيدو في تطوير المناطق الصناعية الخضراء: وعن دور المنظمة في تطوير المناطق الصناعية الصديقة للبيئة، قال درايك إن هذا العمل يجري ضمن برنامج عالمي للمدن الصناعية الإيكولوجية، والذي يهدف إلى تصميم مناطق صناعية تسمح بخلق تشابكات صناعية بين المصانع، بحيث تصبح مخلفات مصنع ما مدخلا للإنتاج في مصنع آخر. وأشار إلى أن هذا النوع من التخطيط يجب أن يبدأ منذ وضع تصميم المنطقة الصناعية، وليس بعد بدء تشغيلها.
مرتبط