إذا كان لعام 2024 أن يوصف بعام تجنب الانهيار، فجدير بعام 2025 أن يوصف بأنه العام الذي عادت خلاله الآليات الاقتصادية لأداء وظائفها بانتظام. فمع وصول الاحتياطي الأجنبي لمستوى قياسي بلغ 50.2 مليار دولار، وأيضا رفع وكالة ستاندرد آند بورز تنصيفها لمصر إلى “B”، حولت الحكومة تركيزها إلى آجال الدين والتنويع. إذ إن المؤشرات الرئيسية — التي تتمثل في نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.2% في الربع الثالث من 2025 وخفض تراكمي لأسعار الفائدة بمقدار 725 نقطة أساس — ما هي إلا نتاج استراتيجية مدروسة من أجل أن تُستبدل الأموال الساخنة عالية التكلفة، لتحل محلها الالتزامات طويلة الأجل المدعومة بالأصول.
ما السبب وراء أهمية هذه الاتجاهات: تغير السؤال المطروح على طاولة مجتمع الأعمال من “هل سنخفض العملة مجددا؟”، وصار بدلا من هذا عبارة تقريرية تقول: “لقد حان وقت النمو مرة أخرى”. وفي حين أبدى صندوق النقد الدولي رضاه — إذ أعطى الضوء الأخضر لتمويل جديد بقيمة 2.7 مليار دولار الأسبوع الماضي — لا تزال عجلات الإنتاج تواجه تحديات أسعار الفائدة الحقيقية المرتفعة (وإن كانت في تراجع) وبيئة ضريبية تخضع لإصلاحات شاملة لتحقيق مستهدفات الإيرادات.
وداعا للتضخم وللمتشائمين بشأن التعويم
كان أداء الجنيه في 2025 أفضل بكثير مما توقعه مراقبو السوق في بداية العام. بدأ سعر الصرف هذا العام عند 50.80 جنيه للدولار بعد فترة من التقلبات وحالة عدم اليقين. ولكن مع الاعتياد على حرية تداول العملة، صار الوضع أكثر قبولا “للتقلبات الصحية”، وشهدنا ارتفاع الجنيه أمام العديد من العملات النظيرة، فقد وصل سعره حاليا عند مستوى 47.60 جنيه للدولار.
ساعدت قوة الجنيه واستقراره في جهود كبح جماح التضخم. فبعد أن بدأ العام بمعدل تضخم عام بلغ 24.0% في يناير، انخفض المعدل إلى النصف تقريبا مسجلا 12.3% في نوفمبر. ويُجمع المحللون على أن مسار تراجع التضخم مستمر، وأنه ليس محض التأثير المواتي لسنة الأساس، لذا يمكننا توديع الحقبة التي اعتدنا خلالها أن نستيقظ صباح كل يوم على إعادة تسعير المنتجات.
لا يقتصر أثر توفر القدرة على توقع الأسعار على استفادة المستهلكين على مستوى التخطيط المالي، بل إنها تعطي دفعة قوية للشركات الراغبة في الاستثمار طويل الأجل، فقد أنهى استقرار الأسعار حقبة تسعير المدخلات بناء على السوق الموازية، ووفر أساسا يمكن التنبؤ به لموازنات عام 2026.
تراجع التضخم يفسح المجال لخفض الفائدة
بمجرد أن اتخذ التضخم مسارا نزوليا واضحا، تحرك البنك المركزي بقوة لخفض تكلفة التمويل أمام الاستثمار الخاص. بلغ إجمالي خفض الفائدة لعام 2025 نحو 725 نقطة أساس بعد قرار يوم الخميس الماضي، ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20.00%.
يعد هذا التحول المحفز الأساسي لطفرة منتظرة في النفقات الرأسمالية، إذ يؤدي خفض سعر الفائدة الاسمي فعليا إلى خفض عتبة الجدوى الاقتصادية للمشروعات في الاقتصاد الحقيقي. فعلى مدار الأرباع الثمانية الماضية، كانت متطلبات معدل العائد الداخلي للمصانع الجديدة والمشروعات الأخرى مرتفعة ارتفاعا تعجيزيا. ولكن عند مستوى فائدة حالي بواقع 20%، أصبح قطاع عريض من المشروعات الصناعية “المعطلة” فجأة قابلا للتمويل البنكي.
أخيرا.. القطاع الخاص غير النفطي يعود للنمو
كان مؤشر مديري المشتريات الصادر عن مؤسسة ستاندرد أند بورز جلوبال مقياسا للتعافي على أرض الواقع، فقد تجاوز أخيرامستوى الـ 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش، ليصل إلى 51.1 نقطة في نوفمبر. وتوسع نشاط القطاع الخاص غير النفطي بأسرع وتيرة له منذ خمس سنوات مدعوما بزيادة الطلبات الجديدة والإنتاج وسط تراجع ضغوط التكلفة.
يأمل صناع السياسات أن يشير هذا إلى تحول إيجابي للقطاع الخاص بنهاية العام، مع استجابته أخيرا لتحسن السيولة وتراجع أسعار الفائدة.
ومما عزز التفاؤل أيضا هو نمو الاقتصاد بأعلى معدل ربع سنوي منذ ثلاث سنوات في الربع الثالث من 2025، مسجلا 5.3%، بزيادة قدرها 1.8 نقطة مئوية عن العام السابق. وجاء هذا النمو مدفوعا بقطاعات الصناعات التحويلية غير البترولية، والتكنولوجيا، والسياحة، والخدمات المالية. وكان ارتفاع نمو الناتج المحلي الإجمالي متوقعا إلى حد كبير مع استمرار استعادة النشاط الاقتصادي مساره الطبيعي وأيضا استعادة الزخم بفضل تحسن وفرة الدولار، والقدرة على التنبؤ، وعودة الثقة، حسبما صرحت به إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي لدى ثاندر لتداول الأوراق المالية، لإنتربرايز في الشهر الماضي تزامنا مع صدور أرقام النمو.
التقدم يظهر في ضبط المالية العامة
سجلت مصر فائضا أوليا استثنائيا بنسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للعام المالي المنتهي في يونيو، وهي إشارة واضحة على ضبط أوضاع المالية العامة الذي استوفى معايير المراجعة الصارمة لصندوق النقد الدولي. تحقق هذا الفائض من خلال زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة 35% — لتصل إلى 2.2 تريليون جنيه — وفرض سقف صارم على الاستثمارات العامة غير الضرورية. وسيكون التحدي في عام 2026 هو الحفاظ على هذا الانضباط، إذ يستهدف الصندوق فائضا أوليا أكثر طموحا بنسبة 5% في العام المالي المقبل لتسريع خفض الديون.
البحث عن هيكل ديون أفضل
تجاوزت مصر أساليب الاقتراض التقليدية في عام 2025 من خلال توظيف الأصول السيادية لتكون ضمانات لتأمين تكاليف تمويل أقل. وكان تخصيص 174 مليون متر مربع من الأراضي في رأس شقير لصالح وزارة المالية بمثابة الأساس لأول برنامج صكوك إجارة محلي في البلاد. ومن خلال دعم الديون بأصول عقارية ملموسة كهذه، تمكنت الحكومة من تأمين عوائد أقل بنحو 8% مقارنة بأدوات الخزانة التقليدية غير المضمونة. وقد يساعد ذلك في وضع مخطط جديد لإدارة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، التي أنهت العام عند نحو 85%.
بذلت وزارة المالية جهودا حثيثة هذا العام من أجل إطالة آجال استحقاق الديون لتجنب الفخاخ قصيرة الأجل للسنوات السابقة. ومن خلال العودة إلى سوق السندات الدولية لأول مرة منذ أربع سنوات بإصدار قيمته ملياري دولار، استبدلت الدولة أذون الخزانة قصيرة الأجل المستحقة لتحل محلها أدوات طويلة الأجل. ويعد تمديد الآجال المشهود الآن بمثابة “ممتص صدمات” حيوي، مما يضمن عدم تسبب تقلبات الأسواق العالمية في أزمة سيولة فورية محليا.
وفي وقت لاحق من العام، أطلقت وزارة المالية ثاني إصداراتها من الصكوك السيادية في طرح خاص بقيمة مليار دولار، تلاه إصدار آخر. كذلك شرعت الدولة في أول إصدار ضمن سلسلة من إصدارات الصكوك المحلية، التي ستدعم برنامج صكوك أوسع بقيمة 200 مليار جنيه للعام المالي. ومهدت الوزارة الطريق لعودة لسوق سندات الساموراي بقيمة 500 مليون دولار، ضمن خطة أوسع لإصدارات ديون دولية بقيمة 4 مليارات دولار تسعى الوزارة لإتمامها قبل نهاية العام المالي الحالي في يونيو 2026. وتتضمن الحزمة أيضاً سندات الباندا والسندات الخضراء وسندات اليوروبوندز.
جهود الدولة لم تمر مرور الكرام
حظي هذا التحول في الاقتصاد الكلي بإشادة وكالات التصنيف الدولية، فقد رفعت مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال التصنيف الائتمانيالسيادي لمصر طويل الأجل إلى “B” من “-B”. وتلا هذا الرفع — وهو الأول من نوعه منذ 2018 — نظرة مستقبلية إيجابية من وكالة موديز. كذلك كان لتحسن التصنيفات دور فعال في خفض علاوة المخاطر على الديون المصرية، مما سمح للدولة بتنويع مصادر اقتراضها بدخول أسواق جديدة.