يشهد قطاع الزراعة في مصر تحولا هيكليا، إذ لا ينمو القطاع فحسب، بل يغير أيضا الطريقة التي يعمل بها. قفز إجمالي القروض الاستثمارية الممنوحة للمزارعين والمشروعات الزراعية بنسبة تقترب من 250% على أساس سنوي لتسجل 56 مليار جنيه في العام المالي 2023-2024، وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

لكن الهيكل الخاص بذلك الحجم من الإقراض يكشف القصة الحقيقية: ارتفعت القروض متوسطة الأجل بأكثر من 1000% لتصل إلى 22.6 مليار جنيه، في حين انخفض الإقراض قصير الأجل بأكثر من 20% ليسجل 8.6 مليار جنيه. وبالمثل، صعدت القروض طويلة الأجل للقطاع بنحو 740% لتصل إلى 24.8 مليار جنيه. يعني هذا أن المزارعين يقترضون بشكل أقل لتسيير أعمال الموسم، وبشكل أكبر لشراء المعدات وبناء القدرات الإنتاجية.

النفقات الرأسمالية هي التوجه الجديد، مع تراجع تمويل التدفقات النقدية. يستوعب القطاع الآن أكثر من 27% من القوى العاملة في مصر ويستعيد وضعه بوصفه مساهما رئيسيا في الناتج المحلي الإجمالي، حسبما صرح به مصطفى النجاري، رئيس لجنة الزراعة والري بجمعية رجال الأعمال المصريين لإنتربرايز. وأضاف النجاري أن ارتفاع الاستثمار يعكس ثقة متزايدة في قدرة قطاع الزراعة على دعم آفاق التخطيط طويلة الأجل، بدلا من الاكتفاء بنمط الكفاح يوما بيوم من أجل البقاء.

أداء الصادرات يعزز تلك الثقة. نمت صادرات مصر من الفواكه والخضروات بمعدل سنوي يتراوح بين 15-17% على مدى السنوات الثلاثة الماضية، بحسب النجاري. وفي الوقت نفسه، تتراجع الواردات الغذائية، إذ انخفضت واردات مصر من القمح بنسبة 30% مقارنة بالعام الماضي، وهو انخفاض يعزوه النجاري إلى تحسن صوامع التخزين والتوسع في الزراعة بالأراضي المستصلحة حديثا.

يشمل هذا التوسع محاصيل استراتيجية، مثل القمح وبنجر السكر وعباد الشمس وفول الصويا، مما يساعد في خفض فاتورة الاستيراد وإعادة توازن التدفقات التجارية. وأشار النجاري إلى أن مصر حققت الآن الاكتفاء الذاتي من السكر وتستعد لدخول أسواق التصدير، وهو تحول حاد عن وضعها القديم عندما كانت مستوردا لما يصل إلى مليون طن سنويا.

تشير البيانات إلى أن التمويلات الميسرة تضطلع بالدور الأكبر في هذا التحول. إذ إن مبادرات التمويل المدعومة من البنك المركزي — التي تتضمن مبادرة تمويل بفائدة 5% لإنتاج المحاصيل وأنظمة الزراعة الذكية — توجه التمويل بشكل أساسي من خلال البنك الزراعي المصري، مع انضمام مقرضين آخرين عبر برامج مماثلة، وفقا للنجاري.

بالنسبة للمزارعين، تشكل فجوة أسعار الفائدة عاملا حاسما. فمع أسعار فائدة سوقية تتجاوز 15%، قد تتوقف خطط التوسع للكثيرين تحت وطأة تكاليف التمويل. ولكن في الوقت الحالي، يفعل التمويلات منخفضة التكلفة ما لم تستطع عقود من الإصلاح تحقيقه: وهو تغيير نموذج العمل الذي تتبعه الزراعة في مصر.

العلامات: