في العدد السابق من “هنا الساحل”، استعرضنا كيف يبني المطورون في الساحل الشمالي الزخم حول مشروعاتهم. من استقدام ترفيه عالمي المستوى إلى صياغة شعور مصمم بعناية بالخصوصية واستخدام أدوات تسويق فعّالة، يبدو أن المطورين وجدوا الوصفة السحرية لوضع مجمعاتهم المسورة على خريطة الساحل.

لكن الساحل يشهد تحولات قد تدفع بعض المصطافين لإعادة النظر في جاذبية المجتمعات المسورة: فالبعض بدأ يمل من القيود التي تفرضها هذه الكمبوندات — لا سيما الكبرى منها — حتى على الملاك أنفسهم. ومع مشاريع مثل رأس الحكمة من مدن، والعلمين الجديدة، يعود إلى الواجهة مفهوم قديم-جديد: المدينة الساحلية المفتوحة. والسؤال الآن: كيف يمكن لخبراء التسويق إقناع المشتري المعتاد على الحياة داخل الأسوار بأن يتبنى نموذج المدينة المفتوحة؟

كيف يقنع المسوقون سكان المجتمعات المسوّرة بالخروج؟

البعض يخشى أن التحول من الكمبوندات المسورة إلى المدن الساحلية سيأتي على حساب الخصوصية والراحة، لكن الخبراء لا يتفقون مع هذا الطرح. “تصوير هذه المدن كأماكن صالحة للعيش طوال العام هو ما سيغيّر المعادلة من ‘بيت عطلة’ إلى ‘مركز طموح’”، يقول عبد العظيم عثمان، الشريك المؤسس ورئيس قطاع التسويق والمنتجات في شركة التكنولوجيا العقارية ناوي. ويضيف نادر إلهامي مؤسس تولبوكس ماركتنج كونسلتنج: “المدن أساسية لدول كبيرة مثلنا. الدمج بين التخطيط العمراني والعيش الساحلي يفتح المجال لوجهات ثقافية ومراسي اليخوت ومناطق تجارية تتجاوز ما يقدمه معظم المنتجعات الموسمية.”

الحقيقة أن إقناع السكان بالخروج من حدود المجتمعات المسوّرة لا ينبغي أن يكون أمرًا صعبًا، حسبما تقول دينا العدلي، خبيرة التسويق ومؤسسة أتلانتيكا مانجمنت، لإنتربرايز. فالمسألة ليست تحولًا في أسلوب الحياة بقدر ما هي تحول في الذهنية. مفهوم الخصوصية ينتقل من الكمبوندات المسوّرة ليظهر في صور أخرى: مبانٍ خاصة، خدمات ومرافق حصرية، وشواطئ خاصة — لكن داخل بيئة أكثر انفتاحا.

وفي نهاية الأمر، يمكن لسكان الكمبوندات الاستفادة من معظم خدمات المدن المفتوحة المجاورة، مع الاستمرار في التمتع بالتجربة المصممة بعناية والخصوصية التي يوفرها لهم الكومباوند.

الكيو آر كود: عملة صعبة جديدة

“تتصدر مقاطع فيديو على تيك توك لشباب مصري صوروا أجمل شواطئ اليونان وإسبانيا مع تعليقات ساخرة مثل: ‘دخلت الشاطئ ده من غير كيو آر كود’”، حسبما يقول إلهامي. هذا الصيف، برزت موجة سخط من الزوار تجاه الانتشار المبالغ فيه للكيو آر كود، لدرجة أنه تحوّل إلى مادة للسخرية: بعض المصريين في الخارج نفذوا مقالب يسألون السكان المحليين في فلوريدا وغيرها عن “كيو آر كود للدخول” ليروا ردود أفعالهم، والتي كانت في معظمها صادمة.

صار الكيو آر كود أشبه بعملة صعبة يبيعها البعض علنا على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يُفرغها من هدفها الأساسي. ونتيجة لذلك، أصبحت وجهات مشهورة مثل مراسي فريسة للازدحام، فيما يشتكي السكان من انتهاك الخصوصية.

المشكلة ليست في الكيو آر كود نفسه، بل في المخطط العام للتنمية، حسبما يرى محمد جلال، رئيس مجلس إدارة شركة تسويق لإدارة المراكز التجارية: “الكثير من الساحل مخصص للملاك، وهذا متوقع. لكن خطأ المطورين كان في أنهم قدموا أنشطة تجارية فريدة وسوقوها للعامة”. ويرى جلال أن كلمة “خصوصية” ليست الأنسب هنا ولكننا نتحدث عن “تقييد الدخول”. ويضيف أن المجتمعات المسورة من حقها تقييد الدخول، لكن المشكلة تظهر حين يجرى الترويج العام لفعاليات داخلها.

الساحل الجديد لم يضع في اعتباره طبيعة الأسر المصرية وعاداتها في استضافة الزوار خلال الصيف، وفقا لجلال: “لا يمكنك أن تضع مطعمًا يحتاج ضيوفك لعبور عدة بوابات للوصول إليه بما يخرق خصوصية السكان. المخطط العام خاطئ والناس تدفع الثمن.” لكن هذه ليست مشكلة المدن المفتوحة مثل العلمين الجديدة ورأس الحكمة.

“لو ذهبت لإيبيزا أو موناكو، لن تجد كيو آر كود، ومع ذلك تبقى الوجهات حصرية. هذه هي المعادلة التي نحتاجها”، حسبما تقول العدلي. “إذا كان ما تقدمه مميزًا فعلاً، لن تحتاج لتصفية الناس على البوابة.”كيو آر كود بدأ كحل للازدحام، لكنه تطور إلى نموذج مبالغ فيه”.

الأجدى من تقييد الدخول هو التركيز على تخصيص التجربة، حسبما يقترح إلهامي: عبر وضع قواعد واضحة وتوقعات ومعايير سلوك. “في النهاية المسألة تتعلق بالتعايش باحترام.”

لكن هذا المستوى من الحصرية — وكيو آر كود — ليس وليد اللحظة. “لأكثر من 50 عامًا، المصريون يتجهون غربًا بحثًا عن الحصرية. هذا السلوك أصبح محفزا أساسيًا لشراء بيت صيفي”، وفق ما يقوله إلهامي. هؤلاء المشترون أنفسهم اليوم مستاؤون من الكيو آر كود، لكن المطورين يحاولون حمايتهم ومنع هجرتهم لمشاريع أخرى. “ومع تمدد الساحل نحو ليبيا، قد يكون الوقت قد حان لتغيير النقاش.”

من بيت عطلة إلى مدينة يومية

المشروعات الضخمة تتيح تقديم طيف كامل من الخدمات والتجارب، حسبما يقول باسم فايق، الشريك الإداري في مكتب مجموعة بوسطن للاستشارات بالقاهرة. “يمكن أن تلبي كل الأذواق، من مراكز اجتماعية نابضة بالحياة إلى مساحات هادئة، وهذا الحجم هو ما يسمح بدمج بنية تحتية أساسية مثل المدارس والرعاية الصحية.”

المعادلة الصعبة: يقارن جلال بين الساحل الشمالي ومنطقة جميرا بيتش ريزيدنس بدبي، ويشير إلى أن جميرا بيتش نجحت منذ البداية في التخطيط. “هناك مناطق عامة بكل الخدمات، ومناطق خاصة، ومناطق حصرية. هل لديهم أزمة؟ لا.”

النتيجة النهائية تبقى تجربة حصرية، لكن دون انتهاك خصوصية السكان أو حرمان السياح والرواد. والعلمين الجديدة تتحرك سريعا على نفس النهج، لتصحيح مسار النموذج الحالي. النموذج البديل يمكنه تلبية مختلف شرائح المصطافين وفتح إمكانيات جديدة. “الناس سيجدون جاذبية جديدة — الأمر يتعلق فقط بالتأقلم مع نوع مختلف من الرفاهية”، حسبما تقول العدلي. المدن الجديدة بالساحل يمكنها الحفاظ على الخصوصية، لكن بطريقة أبسط وأكثر شمولا. “المطلوب خلق شعور بالانتماء لا يرغب الناس في التخلي عنه”، وفقا لإلهامي.

ومع إضافة البنية التحتية للحياة طوال العام، من صحة وتعليم، ستكون الوصفة جاهزة لمدينة ساحلية تستحق لقب وجهة عالمية. “العلمين قد تصبح لاس فيجاس البحر المتوسط — عاصمة ترفيه إقليمية تعمل بكامل طاقتها على مدار العام”، يقول إلهامي. لكنه يحذر: “لن يكون الأمر مستدامًا إذا تكررت أخطاء مشروعات الساحل الحالية. يجب أن تصبح مدنًا حقيقية”، مشيرًا إلى نماذج مثل نيس وكان في فرنسا، وأثينا وتسالونيكي في اليونان.

رؤية جديدة

الضيافة هي المفتاح لاستهداف العميل المناسب، حسبما يرى فايق. فالسياحة في مصر تعتمد بنسبة 80-90% على وكالات السياحة والسفر وليس على الحجوزات الفردية، لكن الساحل يفتقر إلى بنية ضيافة حقيقية — معظم الوحدات هي بيوت عطلة — وبالتالي الوكالات لا يمكنها عقد صفقات مع مئات الملاك الأفراد. الوجهات المتوسطية تستقبل نحو 200 مليون زائر سنويًا، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى 250 مليون بحلول 2035، بحسب أبحاث مجموعة بوسطن للاستشارات. ومع تحسين الربط الجوي وبنية ضيافة حقيقية وتشجيع السياحة الفردية، يمكن للساحل الشمالي في مصر اقتناص حصة سوقية بين 3-5%، أي ما يعادل 7.5 – 12.5 مليون سائح بحلول 2035، وفقا لفايق.

نقص الفنادق كان سببًا رئيسيًا في تحول الساحل إلى منطقة حصرية للملاك، يتفق في ذلك إلهامي أيضا، مضيفا أن “الفنادق تفرض تحولًا من عقلية الكومباوند إلى عقلية الضيافة — ما يعني بنية تحتية على مدار الساعة، ولوجستيات موثوقة، وخدمة مستمرة.” وتقول العدلي: “في الغردقة وشرم الشيخ وغيرها من الوجهات المشابهة، لا تشعر بالانقسام الواضح كما في الساحل. وجود منتجعات يمكن أن يحل معضلة ‘أريد الذهاب إلى الساحل لكن لا أريد معاناة الإيجار’ — فيجد الناس حرية أكبر”.