قطاع التعليم يدخل مرحلة تحول رقمي قد تعيد تشكيل طريقة تعلّم الطلاب وآليات عمل الجامعات. ويشهد قطاع التعليم العالي، الذي يضم أكثر من 3.8 مليون طالب موزعين على 105 جامعات و206 معاهد فنية، تبنيا تدريجيا للنماذج التعليمية عبر الإنترنت والتعليم المدمج ضمن إطار مستهدفات رؤية مصر 2030، وفقا لتقرير المجلس الثقافي البريطاني ” توسيع نطاق التعليم العالي الرقمي في مصر “.
منهجية التقرير: يعتمد التقرير على 30 مقابلة مع صناع سياسات رفيعي المستوى وأكاديميين وممارسين في قطاع التعليم العالي في كل من مصر والمملكة المتحدة، إلى جانب ثلاث مجموعات تركيز طلابية تمثل برامج التعليم المدمج وعبر الإنترنت والبرامج العابرة للحدود. ويجمع التقرير بين هذه المدخلات والبحوث المكتبية وتحليل السياسات لتقييم جاهزية مصر الرقمية وأنماط التبني وفرص التعاون بين المؤسسات المحلية ونظيرتها البريطانية.
التحول الرقمي مشروع قومي: تضع “رؤية مصر 2030″ و”استراتيجية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات 2030” التحول الرقمي في صميم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويعد قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات اليوم الأسرع نموا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مساهما بنسبة 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي. كما أطلقت الحكومة مبادرات كبرى تشمل “مصر الرقمية”، و”بنك المعرفة المصري”، ومبادرة “جيل مصر الرقمي”، أسهمت جميعها في توسيع نطاق الوصول إلى البنية التحتية الرقمية والتدريب. ويضم بنك المعرفة وحده أكثر من 4.5 مليون مستخدم ويتيح محتوى أكاديميا مجانيا للطلاب والباحثين، بينما درّبت “جيل مصر الرقمي” والمبادرات ذات الصلة أكثر من 14 ألف شاب على الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني. ومع ذلك، لا تزال الفجوات قائمة بين المناطق الحضرية والريفية، وكذلك بين المؤسسات التعليمية المختلفة.
رقمنة الجامعات تتم بوتيرة غير متكافئة: تبنت غالبية الجامعات الحكومية والخاصة أنظمة الإدارة الرقمية مثل التقديم الإلكتروني، والسجلات الطلابية الإلكترونية، والمكتبات الإلكترونية. إلا أن دمج التكنولوجيا في التدريس والتقييم وطرائق التعليم لا يزال محدودا. فعلى الرغم من أن 60% من الجامعات الحكومية تُعد “مُمكّنة رقميا”، فإن 17% فقط مصنفة كـ “ناضجة رقميا”. ويتوقف التنفيذ بشكل كبير على القيادة والتوافر المالي.
الجائحة غيّرت التصورات، لكنها لم تغيّر المنظومة: أجبر وباء كوفيد-19 الجامعات على اختبار التعليم عبر الإنترنت، ما سرّع من استخدام الأدوات الرقمية. وبينما عادت معظم الجامعات للتعليم الحضوري بعد الجائحة، تغيّر الإدراك العام، إذ يُنظر اليوم إلى التعليم عبر الإنترنت أو المدمج كخيار ممكن، وإن لم يكن مكافئا تماما بعد. لكن التحول نحو التدريس الرقمي أولا لا يزال بطيئا، بسبب أساليب التقييم التقليدية وضعف الثقافة الرقمية لدى أعضاء هيئة التدريس والإداريين.
التعليم عبر الإنترنت والمدمج يتوسع… لكن بحجم محدود: تضم الجامعتان الرائدتان في التعليم الرقمي، الجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني والجامعة العربية المفتوحة، نحو 17 ألف طالب مجتمعين. وتقدم “الجامعة المصرية للتعلم الإلكتروني” التي تأسست كنموذج وطني غير هادف للربح، برامج تعليم مدمج في مختلف المحافظات، بينما تتعاون AOU مع جامعة “أوبن يونيفرسيتي” البريطانية لتقديم درجات علمية معتمدة دوليا. وشهدت كلتاهما نموا قويا في الالتحاق بعد الجائحة مع ارتفاع الطلب على خيارات التعلم المرنة.
الشراكات البريطانية تهيمن على برامج التعليم العابر للحدود في مصر: أصبحت مصر أكبر دولة مضيفة للتعليم البريطاني العابر للحدود في أفريقيا، مستحوذة على 42% من التعليم البريطاني العابر في القارة و4.4% من التعليم البريطاني العابر العالمي، أي نحو 31 ألف طالب في العام الدراسي 2024/2023. ويمثل التعليم عبر الإنترنت والمدمج حاليا نحو ثلث هذا النشاط. وتشمل أبرز الجهات البريطانية النشطة: أوبن يونيفرسيتي، وجامعة ليفربول جون موريس، وجامعة لندن، وجامعة هيريوت وات، غالبا بالشراكة مع جهات محلية مثل الجامعة العربية المفتوحة ويوني كاف والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا. ومع ذلك، يحدّ ارتفاع التكلفة وعدم استقرار سعر الصرف وتعقيد نظم الضرائب والاعتماد من التوسع.
عوائق أمام توسع التعليم العالي الرقمي: تظل القدرة على تحمل التكلفة عائقا رئيسيا، إذ غالبا ما تتجاوز رسوم البرامج الدولية عبر الإنترنت رسوم الجامعات المحلية، ويواجه الطلاب صعوبات في السداد بالعملة الصعبة. كما يشير التقرير إلى فجوات تنظيمية، إذ رغم مرونة وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات تجاه البرامج المدمجة، فإن الدرجات الممنوحة بالكامل عبر الإنترنت ما زالت تواجه تحديات في الاعتراف والاعتماد. وتحدّ محدودية البنية التحتية الرقمية وعرض النطاق، خاصة خارج القاهرة والإسكندرية، من التوسع كذلك.
الطلاب يرون الفوائد… لكن على حساب أمور أخرى: يقول الطلاب الذين شاركوا في المقابلات إن البرامج عبر الإنترنت أو المدمجة تساعدهم على الانتقال إلى العمل بسهولة أكبر من خلال تعريفهم المبكر بالمنصات الرقمية والأدوات المهنية. ويقدّرون المرونة التي تتيح لهم موازنة الدراسة مع العمل أو الرعاية الأسرية. كما يشير الكثيرون إلى تحسن مهاراتهم الرقمية. لكن ضعف الإنترنت، وغياب الحياة الجامعية، والشكوك حول مدى اعتراف أصحاب العمل بهذه الدرجات يمثلون تحديات كبرى. كما اشتكى العديد من الشعور بالعزلة أو “الإرهاق الرقمي” عند التعامل مع منصات متعددة.
الحاجة لاستراتيجية جديدة: يدعو التقرير إلى وضع استراتيجية وطنية موحدة للتعليم العالي الرقمي، بهدف توحيد الجهود الحالية ووضع معايير واضحة للبرامج عبر الإنترنت والبرامج العابرة للحدود. ويوصي أيضا بتبسيط عمليات الاعتماد والاعتراف، واعتماد نماذج تسعير تراعي القدرة على الدفع، وتشجيع التعاون المشترك بين المؤسسات المصرية والأجنبية في تصميم البرامج وتنفيذها. كما يشدد على ضرورة بناء منظومات دعم شاملة للطلاب — تشمل الدعم الأكاديمي والرقمي والنفسي — لتحسين تجربة التعلم.
الخلاصة: يدخل قطاع التعليم العالي في مصر مرحلة حاسمة من التحول الرقمي. فالبنية الأساسية والطموح موجودان، لكن من دون تنسيق سياساتي أقوى، واستثمار مؤسسي أكبر، وقبول مجتمعي أوسع، سيظل التقدم مجزأ. ويخلص التقرير إلى أن السؤال لم يعد ما إذا كان يجب التحول إلى التعليم الرقمي، بل أصبح: إلى أي مدى يمكن أن يكون هذا التحول سريعا وعادلا في الانتشار.
أبرز أخبار قطاع التعليم في أسبوع:
- تخطط الحكومة لبناء أول مدينة جامعية متكاملة في مصر في منطقة الدلتا، ومن المقرر أن تشمل جامعة وطنية، وجامعة تكنولوجية، وفروعا لجامعات أجنبية، ومستشفى جامعي، ومراكز للبحث والابتكار.
- تخطط مجموعة ماكسيم للاستثمار لاستثمار 6 مليارات جنيه في جامعة جديدة في العاصمة الإدارية الجديدة بالشراكة مع مؤسسة بريطانية كبرى، وتخطط لإنشاء جامعة ثانية تركز على الهندسة في بني سويف.
- برنامج تكنولوجي للضيافة: وقعت شركة “أيه دي دي” العقارية ومعهد السياحة وإدارة الفنادق في سالزبورج بالنمسا بروتوكول تعاون لإطلاق برنامج بكالوريوس تكنولوجي مدته ثلاث سنوات في الضيافة بالمدارس الفنية التطبيقية في السادس من أكتوبر والغردقة. (بيان).