التخطيط للسنوات المقبلة لا يتعلق بتوقع الأرقام، بل ببناء القدرة على الصمود. هذه كانت الأجواء على المنصة بين قادة البنوك ورأس المال المغامر والعقارات في جلسة إنتربرايز بعنوان بُنيت لتبقى: أو كيف تعلمت التوقف عن القلق والتخطيط لعام 2026 وما بعده، حيث ناقش نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لبنك إتش إس بي سي مصر تود ويلكوكس، والشريكة العامة في ألجبرا فينتشرز ليلى حسن، ومدير شركة أركان بالم أحمد بدر الدين معنى عدم اليقين فعليا في العام المقبل، وكيف يضعون ميزانياتهم على هذا الأساس، وأين يمكن أن تبدأ الدورة الصعودية التالية.
عدم اليقين في 2026 لن يكون من مصادره المعتادة. أسعار الصرف والتضخم وأسعار الفائدة أصبحت الجزء الأكثر قابلية للتوقع، وفق ما يرى تود ويلكوكس، مشيرا إلى أنه يضع في حساباته سعرا يتراوح بين 48 و50 جنيها للدولار، وتضخما يقترب من 10% بحلول نهاية 2026، وأسعار فائدة في حدود 18%. وقال: “ما لا يقلقني هو ما نعرفه، بل الصدمات التي لا يمكن التنبؤ بها”. ومن واقع خبرته خلال خمسة أعوام في مصر، فإن الدرس هو بناء هوامش أمان، وافتراض التقلبات، ووضع خطط تستطيع الصمود أمام المفاجآت الخارجية.
أما في عالم رأس المال المغامر، فيتخذ عدم اليقين شكلا مختلفا. “أكبر مجهول بالنسبة لنا هو الذكاء الاصطناعي”، وفق ما قالته ليلى حسن. تبدو قائمة الفرص لعام 2026 قوية، مدفوعة بسرعة وجودة المنتجات الجديدة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي وتجدد اهتمام المستثمرين الأجانب. لكنها تشير أيضا إلى أن الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين، إذ يحدد “الشركات التي ستفوز، وتلك التي ستتخلف”.
ومن منظور أكثر تقليدية، يرى أحمد بدر الدين أن “التكاليف كانت الشاغل الأول لسنوات. الآن وقد أصبحت التكاليف تحت السيطرة، أصبح عدم اليقين يكمن في الإيرادات”. ويشير بدر الدين إلى أن قطاع العقارات تعرض لاضطراب بسبب الطلب المضاربي والتشوهات الناجمة عن العملة. وأضاف: “الضباب يبدأ في الانقشاع، وأصبح بالإمكان التفرقة بين ما بُني للسوق وما بُني للمضاربة”.
كيف ننجو في 2026 لنستفيد في 2027؟ يؤكد بدر الدين أن بناء منتجات تلبي احتياجات المستخدم الحقيقي وليس المشتري الباحث عن تحوط سريع أصبح الاستراتيجية الوحيدة القابلة للاستمرار. ويوضح أن أركان بالم رفضت تصميم منتجات للمضاربة وستركز على الأشخاص الذين سيعيشون ويعملون في مشروعاتها خلال الأعوام المقبلة، وهي استراتيجية تحد من التقلبات وتحسن وضع الميزانية عند بداية الدورة التالية. وقال: “الطلب الحقيقي هو ما يهم”.
تكيف رأس المال المغامر يأخذ شكلا آخر. تتجه ألجبرا نحو عمليات الرول أبز والبولت أونز، ليس كتغيير في الاستراتيجية، بل كاستجابة منطقية لسلعنة الإنتاج وتقلص الهوامش. ففي أوقات الاضطراب، يمكن لشركة ذات منتج واحد حماية هوامشها لبعض الوقت، لكن مع السلعنة يصبح تقديم سلسلة قيمة كاملة أمرا حاسما. وقالت حسن: “ليست تغييرا في الاستراتيجية بقدر ما هي رغبة في التأكد من أن شركات منطقتنا، خاصة في مصر، تُبنى لتبقى”.
أين تكمن الفرصة في 2026 من منظور مصرفي؟ يشير ويلكوكس إلى الطلب الذي يراه مباشرة من الشركات الصينية والتركية والبريطانية التي تتطلع إلى مصر كقاعدة للتصنيع والتصدير، مستفيدة من انخفاض تكلفة الدخول والبنية التحتية الجاهزة والموقع الاستراتيجي. وذكر أن إحدى شركات النسيج الصينية الكبرى التي تورد إنتاجها لعلامات مثل نايكي وأديداس، وتحدث معها في مدينة نينغبو، تدرس حاليا مصر لأول توسع لها خارج الصين. وقال: “هذه هي الاستثمارات طويلة الأجل التي تُحدث فارقا”.
ثم تحولت الجلسة إلى العنصر البشري، وتحديدا ميزانية الرواتب لعام 2026 التي تعمل كل شركة حاليا على إعدادها بهدوء. بعد سنوات من ارتفاع تضخمي كبير في الأجور، قد يكون العام المقبل هو عام التراجع. قسم بدر الدين القضية إلى معركتين: تعويضات التضخم، ومنع هجرة الكفاءات. الأولى أصبحت أكثر قابلية للإدارة، والثانية لا تزال صعبة. ومن منظور التضخم، فإن متوسط الزيادة أقل كثيرا من الأعوام السابقة، في حدود خانة عشرية منخفضة، نحو 12%.
الكفاءات ستغادر إذا كان المال هو العامل الوحيد. يعتمد الاحتفاظ بالموظفين المتميزين في عام 2026 بدرجة أقل على الرواتب وبدرجة أكبر على إشراكهم ومنحهم فرصا في التسويق والتخطيط والمبيعات ووظائف أخرى ليشعروا بالملكية داخل الشركة. وقال بدر الدين: “إذا كان الأمر يتعلق بالمال فقط، فلن تستطيع المنافسة”. ووافقت حسن من جانب رأس المال المغامر مضيفة: “الأمر ليس مالا فقط، بل رؤية وملكية وإيمان بالمؤسسين”.
واتفق المشاركون على وجود اتجاه عكسي في هجرة الكفاءات، إذ لاحظ ويلكوكس تباطؤا واضحا في الهجرة إلى الخارج خلال الـ 18 شهرا الماضية.
ما الذي يعيدهم؟ الثقافة والاستقرار والرغبة في تربية الأسر هنا. وقال: “جودة الحياة مهمة”. ووافقت حسن، لافتة إلى أن أحد مؤسسيها عاد من سان فرانسيسكو إلى القاهرة في ذروة تقلبات سعر الصرف.
وفي جانب التوظيف، المرونة والقدرة على التكيف هما الأساس. يقول بدر الدين إن مديري العقارات بحاجة للعمل في بيئة متغيرة بسرعة، حيث تتطور المنتجات وتحدث الصدمات الخارجية بوتيرة عالية. وأضاف: “كما تحتاج الشركة والمنتج للقدرة على التكيف، يحتاج فريقك للأمر نفسه”. وعلى جانب رأس المال المغامر، ترى حسن أن المؤسسين بحاجة إلى الصلابة والقدرة على التكيف، إضافة إلى تفكير أصيل قائم على الذكاء الاصطناعي وليس مجرد استخدام أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وتذكير بأن العلاقات الإنسانية ستظل المحرك الأساسي للأعمال حتى في مستقبل يعتمد بكثافة على الذكاء الاصطناعي. قدّم ويلكوكس زاوية مختلفة برواية غير متوقعة من هونج كونج، حين وجد نفسه يشتري آخر دميتي “لابوبو” في متجر بوب مارت بعد أن لاحظ هوس سائقي التاكسي بها. لم تكن الرسالة عن الدُمى، بل عن تجربة العميل. وقال: “الذكاء الاصطناعي سيتولى مراقبة المعاملات وتقييم الائتمان، لكن لدينا عملاء، وما نبيعه هو تجربة العميل”. وأضاف: “نحتاج للتوظيف على أساس القدرة على التواصل”.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة. تشير حسن إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا أساسيا من تقييم الاستثمارات، مؤثرا بشكل كبير في قرارات التمويل. شركات كانت قابلة للاستثمار في يناير “لم تعد قابلة للاستثمار اليوم”، لأن “المشهد يتغير بسرعة كبيرة”. ولم يعد السؤال “هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بل “ما هو خندقك الدفاعي؟” أي بياناتك أو شبكتك أو تقنيتك التي تجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاء. وأشارت إلى شركة ديب إيكو، المتخصصة في التشخيص بالموجات فوق الصوتية للحمل، والتي حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (إف دي إيه) بفضل حصولها على قاعدة بيانات هائلة من المسحّات حول العالم.
هل هناك قطاع تتجنبه ألجبرا؟ تقول حسن: “لا يوجد قطاع محظور، لكن عليهم الإجابة عن كيف تساعدهم الأصالة في الذكاء الاصطناعي على الفوز”.
وجاءت فكرة التحول المؤسسي، وما ترافقها من معاناة، في حديث بدر الدين عن نمو أركان بالم من 30 إلى 800 موظف. فالانتقال من ثقافة يقودها المؤسس بسرعة إلى مؤسسة لديها هياكل وسياسات “كان أحد أصعب المراحل في دورة حياة الشركة، وفي جعل الشركة قادرة على الاستمرار”. وكانت الخطوة الأولى، كما يوضح، هي القبول بأن المرونة ستتراجع وأن القرارات ستصبح جماعية والنتائج لن تتوافق دائما مع حدس المؤسس.
“بمجرد تقبل ذلك، تبدأ في تأصيل الحمض النووي الريادي داخل المؤسسة”، وفق ما ذكره بدر الدين، والذي استشهد بتشبيه لافت، إذ قال إن القارب السريع ينعطف بسرعة، بينما السفينة الضخمة تحتاج إلى أميال وطاقم كبير للتحرك، وبالتالي الهدف هو الجمع بين الاثنين. وأضاف: “الفكرة هي أن تكون لديك سفينة ضخمة بكل وزنها وإجراءاتها، ومعها شركات تابعة صغيرة تحافظ على الحمض الريادي، وتكون القارب السريع الذي يغادر السفينة ويصل إلى الوجهة بسرعة، مع الاستفادة من موارد السفينة الكبيرة دون تعريضها للخطر”.
واختتمت الجلسة بمناقشة سعر الصرف المتوقع في 2026. ويلكوكس توقع 48.5 جنيها، وبدر الدين 55 جنيها، وحسن نحو 48 جنيها.
ثم جاء السؤال الأخير: ما الأمر الوحيد الذي يبقيك مستيقظا قلقا بشأن 2026؟
قال ويلكوكس: الصدمات الخارجية. فمصر على مسار أكثر استقرارا، لكن مكامن الضعف تأتي من الخارج، سواء تقلبات الولايات المتحدة أو أحداث لا يمكن لأحد التنبؤ بها.
وقالت حسن: فجوة السيولة في رأس المال المغامر. فإذا لم ينتج النظام المزيد من التخارجات والاندماجات، سيتراجع اهتمام المستثمرين. وأولوياتها في 2026 تتمثل في بناء جسور عابرة للأسواق، مشيرة إلى نيجيريا كمثال على سوق مشابه هيكليا يمكن للشراكات معه أن تصنع نموا حقيقيا.
وأضاف بدر الدين: الخوف من تكرار أخطاء السياسات السابقة. فإذا بقي سعر الصرف في العام المقبل كما هو اليوم، “فلن نكون قد تعلمنا من أخطائنا”. ويؤكد أن ترك النظام يتكيف بشكل طبيعي، وتجنب تشوهات ميزان المدفوعات، والالتزام بالإصلاحات الهيكلية، سيحدد ما إذا كانت مصر ستدخل الدورة التالية أقوى أم عالقة في دائرة مكررة.