🏭 موجة تخفيضات تكشف عن أزمة أعمق في سوق الحديد بمصر: شهدت سوق الحديد والصلب المحلية خلال الأسابيع الماضية سلسلة من التطورات المتلاحقة التي أعادت خلط الأوراق بعد موجة تخفيضات للأسعار المحلية، في تحرك لم يكن مجرد استجابة لتقلبات الخامات العالمية التي تراجعت أسعارها مؤخرا، بل جاء نتيجة صراع داخلي معقد بين ضغط الركود التاريخي في المبيعات والمنافسة السعرية الحادة بين المنتجين.
لا يعكس هذا الانخفاض اتجاها طويل الأمد بقدر ما يعكس حالة تصحيح قصيرة، خاصة أن العوامل الخارجية المؤثرة على تسعير البليت وحديد التسليح ما زالت غير مستقرة، وعلى رأسها أسعار الحديد في الصين وتقلبات الطلب في أسواق الخليج، حسبما أشارت المصادر في حديثها لإنتربرايز. وفي الوقت الذي تستجيب فيه السوق سريعا لهذه المتغيرات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: ما الدافع الحقيقي وراء التخفيضات الأخيرة؟ وما الاتجاه الذي ستسلكه السوق خلال الربع الأول من 2026؟
سباق تخفيضات في سوق الحديد، والقطاع يبحث عن فرصة نجاة: خفضت شركات مثل حديد عز والسويس للصلب والجارحي للصلب وحديد المصريين أسعارها بنسب تراوحت بين 3% و10%، ليهبط السعر لدى بعض المصانع إلى مستويات تلامس 33 ألف جنيه للطن. جاء قرار حديد عز بخفض نحو 4 آلاف جنيه للطن بعد اتساع الفجوة السعرية بينها وبين المصانع الاستثمارية التي حافظت طوال أشهر على أسعار بين 32.5–33 ألف جنيه، بينما ظل سعر حديد عز ثابتا عند 38.2 ألف جنيه منذ أكتوبر 2024، بحسب وكيل وموزع حديد عز إسلام القاضي، الذي أشار إلى أن هذا التحرك “تجاري بحت ومؤقت” ومن الممكن إلغاؤه في أي وقت.
مخزون ضخم يضغط على الأسعار: السبب الأساسي لموجة التخفيضات التي شهدتها السوق خلال الأسابيع الماضية هو تراكم مخزون ضخم يصل إلى نحو 600 ألف طن على مستوى القطاع، وفقا لما قاله المدير التنفيذي لغرفة الصناعات المعدنية محمد حنفي لإنتربرايز. يأتي هذا في الوقت الذي اضطرت فيه المصانع لتقليل الأسعار بهدف تصريف الإنتاج وتوفير السيولة اللازمة لسداد التزاماتها المالية تجاه البنوك وجهات المرافق، حسبما أضاف حنفي. لكن التخفيضات الحالية — ومنها التخفيضات المعلنة لدى حديد عز — محدودة زمنيا وتمتد حتى 30 نوفمبر فقط، وقد لا تكون مستدامة إذا كانت أقل من التكلفة الفعلية للإنتاج، حسبما أوضح حنفي.
هامش الربح أيضا يتآكل: قلصت التخفيضات الأخيرة هوامش الربح إلى مستويات “شبه معدومة”، وبعض الشركات تبيع حاليا عند نقطة التعادل أو أقل، وفق حنفي. ولم يسمح تراجع الطلب للمصانع بتعويض انخفاض الأسعار عبر زيادة المبيعات، ما خلق صعوبة كبيرة في إدارة المخزون وتغطية التكاليف التشغيلية، وفقا لما قاله مسؤول بأحد المصانع لإنتربرايز.
استجابة متباينة: انتعشت مبيعات حديد عز قليلا على خلفية خفض أسعار البيع عبر منح الوكلاء والموزعين خصما بواقع 4 آلاف جنيه للطن حتى 30 نوفمبر، حسبما أكد القاضي لإنتربرايز. في الوقت ذاته لم تنتعش مبيعات بقية المنتجين الأقل سعرا حتى قبل التخفيض، بما في ذلك الجارحي للصلب التي يقدر مخزونها بنحو 50 ألف طن، إذ تعاني السوق من ركود حقيقي بسبب عدم وجود مشاريع جديدة. ولم تقتصر المشكلة على الركود الكلي، بل دفع اتجاه المستهلك نحو الحديد الاستثماري الأرخص بعض المصانع لتقليل مواصفات منتجاتها للمنافسة في هذه الشريحة، بينما يؤكد حنفي أن جميع أنواع الحديد في مصر مطابقة للمواصفات، وأن ما يميز الكبار هو تنوع المقاسات وليس الجودة.
بالأرقام: بلغ إنتاج مصر — أكبر منتج للصلب في المنطقة بعدد 14 شركة لإنتاج حديد التسليح — من الصلب الخام نحو 8.65 مليون طن في أول 10 أشهر من عام 2025، ليسجل تراجعا بنسبة 2.8% على أساس سنوي، بحسب بيانات الاتحاد العربي للحديد والصلب. كما بلغ إنتاج حديد التسليح 3.86 مليون طن في النصف الأول، بانخفاض 7% على أساس سنوي.
خلال الشهور الماضية، اتجه المستهلكون للحديد الاستثماري والذي تنتجه شركات مثل عياد وطنطا ومصر ستيل وجيوشي، بسبب الفارق السعري الكبير مع الحديد المتكامل. ووصل الفارق في بعض الأوقات إلى 5 آلاف جنيه للطن، ما دفع الكثير من العملاء لتغيير وجهتهم، خاصة في الطلبيات الكبيرة، بحسب القاضي. ولمواجهة هذا التحول، لجأت بعض المصانع المتكاملة لإنتاج حديد بمواصفات أقل من B500DWR لتقديم منتج قريب من سعر الحديد الاستثماري، في خطوة ساهمت في اشتداد المنافسة بين المصانع، حسبما أضاف.
تضم السوق المصرية ثلاثة نماذج إنتاج مختلفة تماما، ولكل منها تكلفة خاصة. تتحمل المصانع التي تعتمد على البيليت المستورد، رسوما وقائية تصل إلى 4 آلاف جنيه، في الوقت الذي ترتبط فيه تكاليف المصانع التي تعمل بخردة مستوردة تصهر محليا بسعر الخردة العالمي. أما المصانع المتكاملة، مثل حديد عز، فتعتمد على الحديد المختزل (DRI) وترتبط تكلفتها بأسعار الحبيبات الخام والطاقة. كما أن انخفاض أسعار الخامات عالميا لا ينعكس بالضرورة على تكلفة الإنتاج النهائي، نظرا لارتفاع عناصر أخرى مثل الكهرباء والغاز والأجور والنقل، حسبما أضاف حنفي، مستطردا: “هذا ما يفسر استمرار فروق التسعير بين الشركات رغم انخفاض الأسعار عالميا”.
الطاقة وتكلفة الإنتاج معضلة مستمرة محليا: رغم تحسن أسعار الخامات العالمية مؤخرا، لا تزال تكلفة الإنتاج المحلية — وعلى رأسها الطاقة — تمثل التحدي الأكبر للصناعة، إذ تعتمد مصانع الدرفلة بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي والكهرباء، وأي تعديل في أسعار الطاقة يؤثر مباشرة على السعر النهائي. بالنسبة لمصانع الدورة المتكاملة، تظل أكثر قدرة على امتصاص التذبذبات، لكنها تتأثر بأي تغيير في رسوم الخدمات اللوجستية أو مكونات التشغيل، حسبما أوضح حنفي لإنتربرايز. ترقب السوق لأي تحريك في أسعار الطاقة المحلية سيظل أحد العوامل الأساسية التي تحدد اتجاه الأسعار خلال العام المقبل، لا سيما وأن الحكومة تراجع هذه الملفات دوريا ضمن خطط إعادة هيكلة دعم الصناعة، وفقا لما قاله أحد اللاعبين في القطاع لإنتربرايز.
الأسواق العالمية نفسها تتحرك بوتيرة متناقضة: الإنتاج الصيني مستمر عند مستويات مرتفعة رغم محاولات بكين ضبط الطاقات الإنتاجية، والأسعار هناك تتذبذب في نطاق محدود. في الوقت ذاته تواصل مصانع تركيا والخليج تمرير ارتفاعات تدريجية في أسعار البليت والحديد الجاهز استنادا إلى تحسن الطلب لديهم، وفقا لما قاله محلل في القطاع الصناعي لإنتربرايز. لكن بالنسبة لمصر، يبقى التأثير مباشرا، إذ يضغط أي ارتفاع في أسعار البليت عالميا على هامش المصانع المحلية المعتمدة على الاستيراد، بينما يظل المنتجون الذين يعملون بنظام الدورة المتكاملة في وضع مرن نسبيا.
الطلب المحلي في حالة ركود منذ 3 سنوات: يرى العديد من المصادر وجود ركود حقيقي ومستمر، إذ يعاني قطاع الحديد والصلب من ركود واضح منذ 3 سنوات بسبب تقليص الدولة للإنفاق الاستثماري والقيود الجديدة على تراخيص البناء للأهالي، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية لتراكم المخزون. في المقابل نفى القاضي وجود ضعف في الطلب، ووصفه بـ “العادي”، وأن الجزء الأكبر من الطلب المحلي يأتي حاليا من المطورين العقاريين وليس الأفراد.
أزمة التصدير تتفاقم بضغط من الرسوم الحمائية المتبادلة: أصبح الاعتماد على التصدير لتعويض الركود الداخلي صعبا، في ظل القيود المفروضة من عدد من الأسواق الخارجية الرئيسية على صادرات الصلب المصري، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة وكندا وحتى جنوب أفريقيا، مما زاد الضغط على القطاع، حسبما أوضح حنفي لإنتربرايز. فقدت صادرات مصر من حديد الصب الصلب 213 مليون دولار بعد تراجعها بنسبة 13% على أساس سنوي في أول 9 أشهر من 2025 إلى 1.4 مليار دولار إجمالا، بحسب بيانات المجلس التصديري لمواد البناء. ويفرض هذا التراجع ضغطا إضافيا على المصانع التي كانت تعتمد على التصدير لتصريف المخزون، مما يضطرها لتقليل الإنتاج وفق الاحتياجات الفعلية فقط، بحسب المصادر.
والمنافسة الإقليمية تتسع: بالنظر إلى التطورات الإقليمية، أصبحت المنافسة الخليجية عاملا مركزيا في تحديد اتجاه الأسواق، إذ تضخ السعودية استثمارات ضخمة في طاقات إنتاجية جديدة موجهة للأسواق الإقليمية، فيما تعزز الإمارات حضورها في صادرات الحديد الجاهز، بينما تعمل تركيا على استعادة حصصها التصديرية بعد فترة اضطرابات، وفقا لما قاله محلل القطاع الصناعي لإنتربرايز.
يضغط هذا التحول على السوق المصرية من اتجاهين، إذ أصبح الاستيراد أكثر حساسية للأسعار الخليجية، مما يدفع بعض التجار للمقارنة المستمرة بين التكلفة المحلية والعروض الواردة من الخارج. وكذلك فرص التصدير المصرية التي تتعرض لضغوط مع دخول لاعبين إقليميين بأسعار قادرة على المنافسة، خاصة في أسواق شرق أفريقيا. لكن مصر ما زالت تمتلك ميزة تنافسية في التصدير مع استقرار تكلفة العمالة والطاقة نسبيا مقارنة بدول أخرى، بشرط توفر فائض إنتاج فعلي، بسحب المصادر.
ما حال المصانع الصغيرة في هذه الأوضاع؟ على عكس ما يعتقده البعض، يرى حنفي أن استمرار التخفيضات لن يتسبب في أزمة كبيرة لدى المصانع الصغيرة، لأن نطاق الحركة السعري بين 32 و38 ألف جنيه ظل هو نفسه خلال الشهور الماضية، وبالتالي فإن الضغوط السعرية يمكن تحملها رغم تأثيرها على الربحية.
ما الذي نترقبه خلال الأسابيع المقبلة؟ وضعت المصادر 3 سيناريوهات لما يمكن أن ترقبه خلال الأسابيع المقبلة، أولها انتهاء موجة التخفيضات مع بداية ديسمبر، والثاني يتمثل في بقاء الطلب ضعيفا حتى صدور قرارات حكومية. لكن السيناريو الأخير، الذي حاز على إجماع غالبية المصادر التي تحدثت لإنتربرايز، يتوقع استمرار ضعف الطلب المحلي، وعدم صدور أي قرارات حكومية لتحفيز الإنفاق أو تخفيف قيود تراخيص البناء للأفراد خارج المجتمعات العمرانية الجديدة.
وعلى المدى القريب، لن ينقذ التصدير السوق وسط استمرار القيود الأوروبية، في الوقت الذي لم تتشكل فيه الأسواق الجديدة بعد. كما ستعمل الشركات على تصريف المخزون لتأمين التزاماتها المالية، مع احتمال ضعيف لإمكانية أن نشهد تخفيضات تكتيكية محدودة، بحسب المصادر.