🍛 أصبحت الجونة وجهة تستقطب الزائرين طوال العام، وقد صارت معروفة بتميز مطابخها والمأكولات المبتكرة وتجارِب الطعام الراقية على شاطئ البحر الأحمر. لذلك كان من الطبيعي أن تحتفل المدينة بذكرى تأسيسها الخامسة والثلاثين عبر مهرجان فريد يبرز القيم التي تقوم عليها.
35 هو رقم الحظ: بالتزامن مع إطلاق “تيست الجونة” — وهي منصة الجونة الجديدة لفنون الطهي التي ظهرت بالتعاون مع فليفرريببلك — احتفلت الجونة بمرور 35 عاما عبر فعالية “35 فليفرز أوف الجونة”، وهي عطلة أسبوعية تبرز التقاء الحكي بالطهي والاستدامة، بالشراكة مع أتيليه نوربرت نيدركوفلر تِمبوراري.
احتفت الجونة بعطلة نهاية أسبوع استثنائية ضمت مجموعة من الطهاة المتوجين بنجوم ميشلان، يتقدمهم الشيف نوربرتنيدركوفلر من مطعم أتيليه موسمير الحاصل على ثلاث نجوم ميشلان والنجمة الخضراء. وتوزعت الفعاليات بين مراسي المدينة ومطاعمها وشواطئها عبر سلسلة من وجبات العشاء والبرانش والدروس المتخصصة التي قدمت مكونات محلية من الجونة والبحر الأحمر ومصر كافة، في برهان واضح على أن الاستدامة الحقيقية ليست صعبة كما يخيل للكثيرين.
انضم إلى الشيف نيدركوفلر طهاة ميشلان مثل هيمانشو سايني من تريسيند ستوديو في دبي، ودانيال حديدة وإريك روبرتسون من مطعم بيرل موريسيت في كندا، وفابريزيو ميلينو من كواترو باسي في إيطاليا. كما شارك نجوم صاعدون مثل أرييل هاجن من مطعم سابوريوم في توسكانا، وتمارا ريجو من أتيليه موسمير، وسارة عقل من دارا داينينج في الأردن، وتركي بن حلبي من السعودية. وفي عالم المشروبات، لم يكن الاحتفال ليكتمل دون ماتيا سبيديكاتو من كوبنهاجن وفيديريكو بالتزارين من إيطاليا.

يرى الشيف نيدركوفلر أن فكرة كتابه “كوك ذا ماونتن“ تقوم على احترام الطبيعة والبيئة والتفكير في المستقبل، بحسب ما قاله لإنتربرايز. ورغم أن الضيوف كانوا على موعد مع تجربة مميزة، فإن التحدي الأكبر كان أمام الطهاة، إذ منحوا مساحة مفتوحة للإبداع على مدى أربعة أيام، مع شرط أساسي وهو أن تكون جميع المكونات محلية وموسمية وبدون أي هدر. ويعكس هذا النهج التزام ذي إثيكل شيف وفلسفة نيدركوفلر في كوك ذا ماونتن بعد تكييفها مع طبيعة البحر الأحمر. وكانت النتيجة تجربة آسرة بكل تفاصيلها.
انطلقت الفعاليات بعشاء خاص في مرسى أبو تيج، حيث جزيرة صغيرة استقبلت عشرات الضيوف والطهاة. توزع الطهاة في مجموعات ثنائية وثلاثي واحد على محطات للطهو انتشرت على امتداد الجزيرة. وبدت الطاولات العالية الموزعة حول المكان وكأنها تحمل رسالة واضحة: تجولوا، وتحدثوا، وراقبوا السحر وهو يصنع أمامكم. أتاحت المحطات للضيوف متابعة الطهاة خلال مراحل العمل كافة، من التحضير وحتى اللمسات الأخيرة، بينما تدفقت الأحاديث بينهم.
لم تهدأ الأحاديث طوال الأمسية، فالحضور لم يكفوا عن الإعجاب بما تذوقوه من أطباق. عشاء أبو تيج تحول إلى مائدة حافلة بنكهات استثنائية تجاوزت كل التوقعات، والشيفان فابريزيو ميلينو وسارة عقل قدما تارت الحمص والسجق، في حين قدم الشيفان هيمانشو سيني وأرييل هاجن مزيجا جريئا وغير مألوف في طبق عيش بلدي مع سيفيشه تروت بطارخ، في توليفة أشبه بعمل كيميائي دقيق.
الشيفان نيدركوفلر وتركي بن حلبي قدما تجربة لافتة من خلال الشاورما الجملي والسمان مع الدقة، وكان الأول في تقديرنا الطبق الأبرز بلا منازع. أما الشيفات روبرتسون وحديدة وريجو فغاصوا في عمق البحر بحثا عن الإلهام، ليقدموا سمك القاروص مع الكمثرى المجففة، والماكريل الملكي بالكريمة الحامضة والبريكلياش الأمريكي وراوند الحدائق.
جميع الأطباق كانت مذهلة، لكن سرعان ما بدا واضحا أن هذا العشاء لم يكن تجربة اعتيادية، بل مناسبة لمشاركة حب الطعام مع عشاق الذوق الرفيع. استمر الضيوف في التجمع حول محطات الطهي يتبادلون الحكايات مع الطهاة ومع بعضهم البعض، في لحظة نادرا ما نراها في المطاعم الفاخرة التقليدية. عزفت الفرقة الموسيقية وتحرك الضيوف بانسيابية على إيقاعاتها، قبل أن تنقضي الليلة تاركة لنا فرصة للراحة قبل مغامرتنا التالية.

عند التفكير في البامية والقرنبيط، غالبا ما سيخطر على بالك الطاجن بالصلصة، لكن بن حلبي كسر هذا النمط. قدم الشيف السعودي طبقا منعشا من البامية والقرنبيط المشوية المقطعة فوق طبقة من الطحينة، بطعم طازج وملمس مقرمش مثير للاهتمام لدرجة أننا تناولنا منه ثلاثة أطباق.
أثناء تجولنا بين المطابخ المنتشرة على طول الشاطئ، جربنا طبق المكرونة بالجبن القريش للشيف هاجن، والجمبري المشوي مع التوابل المصرية وصوص الليمون للشيف عقل، وختمنا جولتنا بتجربة التحلية المميزة للشيف ريجو، وتذوقنا مارينج الليمون المحروق المقدم داخل نصف ليمونة فوق طبقة من ملح الهيمالايا، مصحوبا بوافل طازج يخفف حموضة الليمون.
حلويات ريجو كانت أكثر ما جسد موضوع المهرجان، خاصة في تبني مفهوم الطهي بدون هدر. فقد استخدمت الشيف الإيطالية كل جزء من الليمون، من القشرة إلى العصير، مؤكدة ارتباطها العميق بالطبيعة. نشأت ريجو بين الجبال والطبيعة البكر مما ترك أثرا كبيرا على نظرتها للمكونات الطبيعية، وفق تأكيدها لإنتربرايز، مضيفة: “إذا تناولت قطعة فاكهة فلن تجد في ذهنك ما تضيفه إليها، لأنها ببساطة جميلة بشكل طبيعي”.

يمكن القول إن وجبة البرانش كانت من أبرز فعاليات عطلة نهاية الأسبوع. تحت ضوء النهار وعلى شاطئ البحر، أظهر المهرجان إمكانياته الكبيرة وكل ما نأمل أن نشهده أكثر في الإصدارات القادمة التي ستقام سنويا بالمدينة الساحلية. ومع غروب الشمس، أتيحت الفرصة لعشاء فاخر في مطعم بوتانيكا الجديد المتخصص في الزراعة المائية والمستدامة. وهناك أعلن عن مشروع لا ميزون بلو ريزيدنسيس، وقدم الطهاة كل ما يلبي رغبات الحاضرين، وتجاوزوا المستوى المبهر الذي سبق وقدموه بالفعل.

انتقلنا إلى أبو تيج من أجل العشاء الختامي للمهرجان، وهناك فتحت فيلا كوكونت أبوابها لعرض استثنائي للنجوم الصاعدة. كانت المأكولات البحرية الموضوع الأبرز، وقدم كل طاه رؤيته الخاصة لها. قد بن حلبي السمك الذي اصطاده خلال اليوم في مزيج من التمر هندي والدقة، في حين غطت عقل الفيليه بأوراق العنب مقدمة تجربة طعم تجمع بين المألوف والغريب على الأذواق المصرية، أما سلطة هاجن المليئة بالحمص والفاصوليا السوداء والجمبري والكاري المصري فجعلت الضيوف يقفون في صفوف للحصول على حصص ثانية وثالثة. وأنهت ريجو الأمسية مجددا بسيمفونية حلوة على شكل تارت تمر طازج مع توفي الينسون المتبل ومربى الحمضيات.
لو كنا سنراجع كل طبق على حدة لاحتجنا لساعات، لذلك سنكتفي بالقول — مع بعض المبالغة المحتملة — إن كل ما تذوقناه طوال الفعالية كان تجسيدا للكمال في عالم المطبخ. شكل مهرجان “35 فليفرز أوف الجونة” في نسخته الافتتاحية نجاحا بارزا بكل المقاييس، ونوصيكم بعدم تفويت النسخة الثانية العام المقبل. وكما قالت الشيف ريجو لإنتربرايز: “ما زالت هناك إمكانيات هائلة في مصر، وما زال أمامنا الكثير لنفعله”.