في الجزء الأول من جولتنا داخل المتحف المصري الكبير، استكشفنا المدخل المهيب للمتحف، والدرج العظيم، وقاعات توت عنخ آمون، ومركب خوفو الشمسي، وأولى فصول الحضارة المصرية منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى الدولة الوسطى. وفي الجزء الثاني اليوم، نواصل هذه الرحلة عبر عصر مصر الذهبي وما تلاه — من قوة وروعة الدولة الحديثة إلى التأثيرات الكوزموبوليتانية للعصرين اليوناني والروماني — قبل أن نصل إلى العالم التفاعلي المخصص للأطفال داخل متحف الطفل.

القاعات 7–9: عصر الدولة الحديثة

يُعرَف عصر الدولة الحديثة بـ "العصر الذهبي" لمصر، وقد شهد بروز أشهر الفراعنة، بينهم حتشبسوت، وأخناتون، ونفرتيتي، وتوت عنخ آمون، ورمسيس الثاني. تميزت هذه الحقبة بالتوسع الإقليمي، وتراكم الثروة، وبناء المعابد الكبرى.

كانت الدولة الحديثة عصر قوة وإبداع ومعمار ضخم لا مثيل له، مع عمارة دينية تعكس العقائد التي شكّلت ذروة الحضارة المصرية. تجسد التماثيل الضخمة من تلك الفترة القوة والقدسية التي نُسبت لحكامها، بما يعكس ثروة الدولة وإنجازاتها الفنية.

تكشف مقتنيات المعابد والمقابر عن أكثر الطقوس الدينية تطورا، من أدوات الطقوس وموائد القرابين إلى الأواني المقدسة المستخدمة في الشعائر اليومية. كما توثق النصوص الدينية والبرديات منظومة معقدة من المعتقدات، والتعاويذ السحرية، و"كتاب الموتى" الذي أرشد الروح في رحلتها الخطرة إلى العالم الآخر.

وتوضح مقتنيات الحياة اليومية كيف عاش المصريون في فترة الازدهار تلك، من أوعية التجميل والمرايا إلى قطع الأثاث والأدوات المنزلية التي تكشف عن مستوى مدهش من التطور.

وتعرض معدات الحرب ونُصُب الانتصارات التوسع الإمبراطوري لمصر، بما في ذلك العربات الحربية والأسلحة واللوحات التذكارية لحملات ناجحة في النوبة وبلاد الشام.

وتُظهر تماثيل الملكة حتشبسوت تجسيدها بملامح ملوك ذكور، بما في ذلك اللحية الاصطناعية والنمس الفرعوني (غطاء الرأس المخطط)، لتأكيد مكانتها كفرعون له كل السلطة.

أما رأس الملك أخناتون فيجسّد أسلوبا فنيا غير مسبوق، بملامح مطوّلة ونِسَب غير تقليدية تعكس ثورته الدينية الجذرية.

القاعات 10–12: من العصر المتأخر إلى العصرين اليوناني والروماني

تعكس هذه الحقبة قدرة مصر على التكيّف وقوة ثقافتها المستمرة رغم خضوعها لتأثيرات الليبيين والنوبة والفرس واليونانيين والرومان. ومع احتكاك مصر باليونان وروما، اندمجت آلهة وعادات جديدة بسلاسة داخل النسيج الروحي المتجدّد.

تُظهر هذه القاعات الأخيرة مصر كنقطة التقاء نابضة بالحياة، تشكلت بفعل تأثيرات أفريقيا والبحر المتوسط والشرق الأدنى. ويستطيع الزائر رؤية تحوّل الفن والدين والحياة اليومية تحت حكم الأسر المتعاقبة والقوى الأجنبية.

تكشف التماثيل وقطع المعابد عن أساليب فنية هجينة تمزج بين القواعد المصرية التقليدية والطبيعية اليونانية والواقعية الرومانية.

وتبيّن الحُلي والعملات مدى الاستمرارية الفنية مع التكيّف في آن واحد، مع ظهور رموز يونانية ورومانية إلى جانب الرموز الفرعونية.

وتبرز التماثيل الضخمة لملوك وملكات البطالمة المنتشلة من البحر المتوسط، والمصنوعة من الجرانيت الوردي، كيف تبنّى الحكّام الطقوس الملكية المصرية مع احتفاظهم بهويتهم اليونانية.

وتعرض المقتنيات الدينية اندماج الآلهة اليونانية والرومانية مع الآلهة المصرية، بما في ذلك شخصيات توفيقية مثل سيرابيس الذي جمع صفات عدة آلهة في هيئة واحدة.

وتُظهر مقتنيات التبادل الثقافي الطابع الكوزموبوليتاني لمصر، من الفخار الهلنستي إلى الزجاج الروماني بجوار التمائم والخرزات المصرية التقليدية.

وتوثّق أعمدة النصر الإنجازات العسكرية بنقوش تجمع بين الأسلوبين المصري واليوناني في السرد التاريخي.

أما الشعارات الملكية والتيجان والأدوات الاحتفالية فتعرض كيف استعان الحكّام الأجانب بالرمزية الفرعونية لإضفاء الشرعية على حكمهم، فيما تكشف كنوز مقابر تانيس الملكية عن استمرار براعة المصريين في صناعة الذهب والفضة بمستوى ينافس أزهى العصور.

متحف الطفل

متحف الطفل بالمتحف المصري الكبير هو مساحة تفاعلية مخصّصة للأطفال من 6 إلى 12 عاما، تركز على التعلم عبر التجربة واللعب بدلا من العرض التقليدي. تمتد مساحته على نحو 5 آلاف متر مربع، وتضم شاشات تفاعلية وتقنيات الواقع المعزز والألعاب التعليمية، إلى جانب معروضات بصرية وبرامج إرشادية.

ماذا سيجد الأطفال؟ تتسم مساحة متحف الطفل بطابع مصري مبهج يعيد تخيّل الحياة اليومية في مصر القديمة عبر ألوان نابضة ومساحات جذابة. وتتيح مناطق التمثيل التفاعلي للأطفال قيادة عربة حربية أو تناول الطعام مع فرعون، ضمن بيئة غنية بالحواس تمكّنهم من استكشاف حياة المصريين القدماء عبر الصورة والصوت واللمس والحركة.

تشمل الأنشطة استكشاف عروض رقمية وبتقنية الواقع المعزز تُعيد المومياوات والمعابد إلى الحياة، والمشاركة في ورش عمل حول التحنيط مع عروض تعليمية، وزيارة محطات الكتابة الهيروغليفية لتعلم كتابة الأسماء بالخط القديم.

وتضم أقسام المتحف الخمسة أساليب تعلم متنوعة، مع لوحات تعليمية مستوحاة من الهيروغليفية ورسومات المقابر، وأثاث وأدوات ضخمة الحجم للتفاعل. وتدمج الألعاب والتقنيات المتعددة الوسائط الأطفال داخل أسلوب الحياة الذي عاشه المصريون قبل آلاف السنين.

ويقدّم المتحف كل عطلة أسبوع برامج خاصة للأطفال، تشمل ورش عمل لصنع المومياوات، ودروس الكتابة الهيروغليفية، والحرف اليدوية المصرية القديمة. وتجمع البرامج الخاصة بين السرد القصصي والموسيقى والفنون والحِرَف، إلى جانب وقت مخصص لاستكشاف المتحف. وتتضمن الفعاليات قصصا وأنشطة لصنع الدمى، فيما تقدم البرامج الموسيقية تجربة تعريفية بحياة المصريين عبر الألعاب وصنع الآلات.