? الثورة الصناعية على طريقة الذكاء الاصطناعي: ينطلق محتوى الذكاء الاصطناعي تقريبا من ذات الأسباب الاقتصادية التي قادت الثورة الصناعية، فكما تنتج المصانع منتجات متطابقة، يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج كميات هائلة من المحتوى المفيد فورا. الشركات التي تحتاج مثلا إلى 50 وصفا جاهزا لمنتج ما أو إعادة إنتاج حملة دعائية معينة بإمكانها إنجاز ذلك في دقائق، إذ أعلنت كوكاكولا عن تقليص وقت إنتاج إعلانها الدعائي لعطلة عيد الميلاد من عام إلى شهر تقريبا، مع تقليل حجم الفريق من 50 شخصا إلى حوالي 20 فقط.

ردود الفعل كانت سريعة: عندما أطلقت كوكاكولا إعلانها لعيد الميلاد عام 2024، كان الهجوم عليها سريعا، إذ بدا الإعلان المولد بالكامل بالذكاء الاصطناعي، فارغا تماما من المعنى بالنسبة للمشاهدين، ويقدم نسخة طبق الأصل من الحملات الإعلانية الدافئة واللطيفة التي تميزت بها كوكاكولا على مدار عقود. هذا العام، ضاعفت كوكاكولا جهودها، وأصدرت إعلانا جديدا لعيد الميلاد مولد أيضا بالذكاء الاصطناعي، لتدافع الشركة بشكل واضح وصريح عن تبنيها الذكاء الاصطناعي في التسويق مؤكدة: المارد قد خرج من القمقم ولن يعيده أحد.

التاريخ يعيد نفسه متنكرا: الأمر يشبه كثيرا أيام الثورة الصناعة، عندما كان البشر مضطرين للتضحية بالكثير في مقابل تحسين الكفاءة. الإنتاج الضخم جيد، ولكن تبعاته على الفنون والإبداع مؤثرة وعميقة، وتطال حتى قيمنا التي نؤمن بها.

لماذا هذا الهوس بالإنتاج الضخم الغزير؟ لم تغير الثورة الصناعية طريقة صنع المنتجات فحسب، بل غيرت جذريا توقعات الأفراد عن المنتجات التي يشترونها. قبل المصانع، اتسم كل منتج بفرادة معينة تميزه، ولكن أيضا كان من الصعب التنبؤ بجودته. هذا ما غيرته الثورة الصناعية، إذ قدمت وعد الإنتاج الضخم بمنتجات تلبي معايير الجودة الأساسية في كل مرة وبتكلفة زهيدة دون أي مخاطر.

الأموال هي نقطة ضعف الشركات: في ظل تطور أدوات الذكاء الاصطناعي يصبح عبثا أن توظف شركة ما مبدعين بشر بينما يمكنها إنتاج أنواع مختلفة من المحتوى بكميات غزيرة وبتكلفة زهيدة. هذا التحول يشبه الاعتماد على عمال المصانع في تطريز قطعة أثاث بدلا من الحرفي المتخصص، الفارق الوحيد هو أن عمال المصانع في هذه الحالة ليسوا بشرا، بل خوارزميات تعمل تقريبا بلا مقابل، وترفع من هوامش الربح بجنون. هذه النظرة يعززها اعتقاد الشركات بأن العمل الإبداعي هو عبء يجب تقليله بغض النظر عن المخاطر الثقافية.

جيد بالقدر الكافي: يلبي الذكاء الاصطناعي الحد الأدنى من المعايير المطلوبة، فالقواعد النحوية متماسكة والمحتوى منظم ويغطي الموضوع المراد الحديث عنه. وفي العديد من التطبيقات التجارية مثل أوصاف المنتجات ومنشورات وسائل السوشيال ميديا والنصوص التسويقية الروتينية، ينتج الذكاء الاصطناعي أعمالا مقبولة إلى جيدة. الذكاء الاصطناعي قد يلبي حاجة قصيرة المدى مثل تقديم ملخص سريع أو ابتكار تصميم مقنع أو كتابة نص معقول، ولكنه نادرا ما يحدث تحولا جذريا يعلق بذهن المتلقي، حسبما يرى الباحث في جامعة جنوب كاليفورنيا وولفجانج ميسنر.

.. ولكن: عند مقارنة منتج الذكاء الاصطناعي بمنتج الثورة الصناعية، تمثيل الدفة ناحية الأخير. فقد أثبتت الثورة أن منتجات المصانع غالبا ما تكون على جودة عالية من ناحية الدقة والاتساق والاتقان، فيما يميل محتوى الذكاء الاصطناعي إلى الرداءة والهلوسة، بشكل يتطلب دائما تدخل العنصر البشري للمراجعة والتقييم، كما يتعرض الإبداع البشري الأصيل إلى مخاطر الانتحال والسرقة بشكل مباشر. الذكاء الاصطناعي لا يستطيع إلا أن يدمج الأنماط الموجودة بالفعل، ولا يستطيع خلق شيء جديد تماما.

يستخدم المدافعون عن الذكاء الاصطناعي نفس حجج أصحاب المصانع سابقا، والمتمثلة في نغمة التقدم الحتمي والكفاءة التي تفيد الجميع وأن الفاقد لوظيفته سيجد حتما وظيفة أخرى. كل تلك الحجج تتجاهل السؤال الوحيد المشروع حول ما إذا كان المجتمع يستفيد حقا عندما تقل قيمة العمل الإبداعي وتتراكم الأرباح لصالح نخبة من الشركات فحسب.

عودة إلى الأصل: بعد عقود طويلة من الإنتاج الكثيف، أصبحت سوق المنتجات المصنوعة يدويا أكثر تألقا في أعين المستهلكين العطشى إلى قيمة حقيقية فريدة. بلغ حجم السوق العالمية للسلع المصنوعة يدويا نحو 740 مليار دولار العام الماضي، ومن المتوقع أن يصل إلى 1.2 تريليون دولار بحلول 2023، مدفوعا بزيادة الطلب على المنتجات المستدامة والأصلية ذات المعنى. الأزمة الحقيقية تطال ما يبدعه الإنسان بعيدا عن الملموسات، فهذا الإبداع يتوعده الذكاء الاصطناعي بنسخ ممسوخة رديئة، لدرجة أن ارتباط اسم "الذكاء الاصطناعي" بحد ذاته بأي عمل أدبي أو إبداعي أصبح شبهة في حد ذاتها. هذا الخطر تدركه شركات مثل بولارويد وهينكن التي اختارت تبني لغة تذم في الذكاء الاصطناعي خاصة في ما يتعلق بالإعلانات، فهو لن يستطيع أن يستبدل اللمسة البشرية أبدا.