يُعاد تشكيل مشهد التعلم والتطوير المؤسسي في مصر (L&D) جراء الضغوط الاقتصادية والتغير التكنولوجي السريع وصعود الذكاء الاصطناعي. وتعيد الشركات التفكير في كيفية تدريب موظفيها، إذ تبتعد شركات كثيرة عن البرامج التقليدية الشبيهة بالفصول الدراسية وتعدّل توجيه دفتها نحو تعلم قصير وموجه وقائم على المهارات يدعم أهداف العمل مباشرة، وهذا وفق ما ورد في تقرير بعنوان "مشهد التعلم والتطوير المؤسسي في مصر 2024" (بي دي إف) الصادر عن مركز التعليم التنفيذي بكلية إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية بالقاهرة.

المنهجية- اعتمد التقرير على مقابلات مع 40 من المديرين التنفيذيين في 13 قطاعا — من البنوك والرعاية الصحية إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأعمال الزراعية – بالإضافة إلى استطلاعات رأي لأكثر من 100 مشارك في برامج التعليم التنفيذي، مما يسلط الضوء على صورة شاملة تعكس كيفية تدريب الشركات المصرية، وماهية المهارات التي تقدرها أكثر، وكيف تُكيِّف ميزانياتها وبرامجها لمواكبة الاتجاهات العالمية.

المهارات تتفوق على الجانب النظري: تتحول الشركات المصرية بعيدا عن التعلم التقليدي القائم على النظريات، نحو برامج قصيرة قائمة على المهارات تحقق نتائج أعمال قابلة للقياس. وحددت واحدة من كل خمس مؤسسات تقريبا التدريب التقني بوصفه أكثر احتياجاتها إلحاحا — وهي النسبة الأعلى بين جميع فئات المهارات. ويبحث أصحاب العمل عن دورات تسد فجوات فورية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتحول الرقمي، بدلا من الدورات الإدارية العامة التي كانت تهيمن على السوق في السابق. وفي الوقت نفسه، يطالب المتعلمون أنفسهم بتعليم عملي وتطبيقي. وقد تصدَّر التعلم التجريبي قائمة احتياجاتهم غير المُلباة، إذ قال الموظفون إن البرامج تفشل غالبا في توفير تطبيق واقعي أو دراسات حالة محلية ذات صلة.

البرامج العامة تفقد جاذبيتها. يفضل نحو 41% من الشركات الآن التدريب المخصص المُوجه لتلبية أهداف أعمالها، مقارنة بنسبة 26% فقط منها تعتمد على الدورات المفتوحة للجميع. ويساعد التدريب المُخصص الشركات على ربط مخرجات التعلم باستراتيجياتها وعملياتها اليومية. ويتمثل الهدف في جعل البرامج مرتبطة مباشرة بأداء الأعمال، وليس مجرد تخصيص محتوى الدورة. وتريد الشركات أيضا من مقدمي الخدمات مزج المهارات الفنية والشخصية وتضمين أمثلة خاصة بالصناعة. وفي قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتأمين، تفيد الشركات بوجود فجوة متنامية بين ما يُدرس وما هو مطلوب على أرض الواقع.

كيف تقرر الشركات ما ينبغي تدريسه؟ شهدت عملية استنباط الاحتياجات التدريبية تحولا بحد ذاتها. فبعد أن كانت تقودها بالكامل تقريبا إدارات الموارد البشرية والتعلم، أصبحت الاحتياجات التدريبية الآن نتيجة للتعاون بين الإدارات. وانخفضت نسبة الشركات التي تقود فيها فرق الموارد البشرية أو التعلم والتطوير هذه العملية إلى 37% في عام 2024، انخفاضا من 79% في العام الماضي. وبدلا من هذه الأقسام، تولى رؤساء الأقسام والإدارة العليا دورا أكثر نشاطا، مما يضمن توافق أولويات التعلم مع نتائج الأعمال بدلا من القوائم الإدارية.

لكن الاستراتيجية ليست الدافع الرئيسي بعد: تعتمد 7% فقط من الشركات في تدريبها على رؤية استراتيجية طويلة الأجل — وإن كانت هذه النسبة لا تمثل سوى خطوة قصيرة إلى الأمام مقارنة بـ 3% في عام 2023. ولا تزال الغالبية تعتمد على تقييمات الاحتياجات قصيرة الأجل أو مراجعات الأداء المُخصصة لتحديد الفجوات. وما اختفت بالكامل تقريبا هي المحفزات القائمة على السوق. فعلى عكس السنوات السابقة، لم تُشر أي شركة إلى ضغوط خارجية — مثل تحركات المنافسين أو اضطرابات السوق – بوصفه سببا وراء خطط التدريب الخاصة بها. وتركز الشركات المصرية الآن على فجوات المهارات الداخلية والمطالب التشغيلية الفورية بدلا من المعايير الخارجية. وفي حين أن هذا النهج العملي يعد مفيدا، فإنه يكشف أيضا عن أن عددا قليلا من الشركات تستخدم البيانات أو التحليلات لتحديد احتياجاتها التدريبية بطريقة منظمة. ولا تزال العديد من المؤسسات تعتمد على ملاحظات المديرين أو آراء الموظفين بدلا من التحليلات أو أطر التقييم الرسمية لتحديد المهارات التي ينبغي تطويرها.

الميزانيات صامدة رغم الصعوبات: برغم التحديات الاقتصادية، وجدت الدراسة أن 70% من الشركات تتوقع زيادة ميزانيات التدريب الخاصة بها في عام 2024. وتقود قطاعات الرعاية الصحية والخدمات المالية الآن الإنفاق على التعلم والتطوير، متجاوزة قطاعي السيارات والنفط والغاز، اللذين هيمنا في عام 2023. ويشير هذا الاتجاه إلى أن مزيدا من الشركات تنظر الآن إلى التدريب بوصفه استثمارا استراتيجيا وليس مصروفا ينبغي تقليصه. كذلك يُنظر إلى صقل المهارات وتطويرها على أنها أدوات حيوية للاحتفاظ بالموظفين والقدرة على المنافسة، لا سيما مع نضال الشركات لجذب العمال المهرة والاحتفاظ بهم. ويسهم التوقيت بدور مهم أيضا، إذ تخصص نصف الشركات الآن ميزانيات التعلم والتطوير في الربع الأخير من العام، لمواءمة التدريب مع دورة تخطيط الأعمال للعام التالي.

الذكاء الاصطناعي يغير طريقة تعلم الناس: أصبح الذكاء الاصطناعي مجالا تدريبيا وأداةً تُشكِّل كيفية تقديم التعلم نفسه. وقد تصدر الذكاء الاصطناعي قائمة الموضوعات الأكثر رواجا في التعلم المؤسسي هذا العام، إذ ذكرته 30% من الشركات و22% من المتعلمين. وإلى جانب المحتوى الذي يقدمه، يُستخدم الذكاء الاصطناعي أيضا لتخصيص مسارات التعلم، وتتبع تقدم الموظفين، وتحليل بيانات الأداء. والشركات أيضا بدأت في تجربة المنصات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي والتقييمات الرقمية القادرة على تصميم المحتوى ليناسب أنماط التعلم الفردية. ومن جانبهم، يستخدم المتعلمون على نحو متزايد منصات مثل كورسيرا ولينكد إن ليرنينج لصقل مهاراتهم ذاتيا.

مقدمو الخدمات المحليون يتصدرون المشهد: مع استمرار تقلبات العملة الأجنبية وانخفاض قيمة الجنيه في الضغط على التكاليف، تتجه الشركات نحو مقدمي التدريب المحليين. ويهيمن مقدمو الخدمات المحليون الآن على سوق التدريب المؤسسي في مصر، إذ يمثل هؤلاء 82% من جميع اختيارات مقدمي الخدمات، بارتفاع طفيف عن العام الماضي. ولا تزال الشركات متعددة الجنسيات العاملة في مصر تلجأ إلى شركاء دوليين لبرامج القيادة التنفيذية، ولكن حتى هذه الشركات تتجه بشكل متزايد إلى تكليف مؤسسات محلية بتقديم دورات مخصصة تكون ميسورة التكلفة وأكثر صلة بالسياق المحلي.

صقل المهارات تمثل استراتيجية للاحتفاظ بالموظفين: قالت 87% من الشركات التي شملها الاستطلاع إن صقل المهارات وتطويرها يمثل أولوية قصوى، وهو ما ينطبق على كل من الشركات المحلية ومتعددة الجنسيات. وبالنسبة للموظفين، فإن العائد ملموس، إذ قال 48% إن التدريب أدى إلى تقدمهم الوظيفي، فيما قال 28% إنه أدى إلى ترقيات ومكافآت مالية. وأفاد 28% آخرون بعدم وجود فائدة مباشرة، مما يؤكد أنه على الرغم من نمو فرص التدريب، فإن تأثيرها ليس مضمونا دائما. وتقدم دوافع المتعلمين أيضا نظرة ثاقبة لثقافة العمل المتطورة في مصر. فقد قال نحو 43% إنهم يسعون للتدريب لمجرد مواكبة التطورات، بينما يفعل 30% ذلك للحصول على شهادات و24% للترقية. وفي اقتصاد سريع التغير، يُنظر إلى التعلم المستمر بشكل متزايد على أنه ضروري للأمن الوظيفي.

البرامج القصيرة والمكثفة هي الأكثر طلبا: تتحول التفضيلات نحو برامج أقصر يمكن إكمالها في أيام أو أسابيع، بدلا من شهور. وتتناسب الدورات الأقصر بسهولة أكبر مع جداول العمل المزدحمة للشركات بالإضافة إلى أنها تقدم قيمة فورية، وفي المقابل أصبحت البرامج طويلة المدى الآن مخصصة للتدريب على القيادة أو التدريب الاستراتيجي. وفي الوقت نفسه، لا يزال التدريب أثناء العمل أحد أكثر الطرق انتشارا. وتستخدم 85% من الشركات المحلية ومتعددة الجنسيات هذا الأسلوب كونه ناجعا على مستوى التكلفة من أجل تعليم المهارات في الوقت الفعلي. وشهد التعلم الهجين والمدمج، الذي انتشر خلال الجائحة، انخفاضا طفيفا. كذلك انتعش التدريب الحضوري وجها لوجه ليصل إلى 43% من تفضيلات الشركات في عام 2024، في حين انخفض التعلم الهجين إلى 40% والتعلم عبر الإنترنت بالكامل إلى 17%.

عودة برامج التوجيه والإرشاد: أصبحت برامج التوجيه والإرشاد — التي كانت نادرة في السابق في الشركات المصرية — شائعة الآن. وتستخدم نحو 72% من المؤسسات التوجيه والإرشاد، إما رسميا أو غير رسمي، لدعم تطوير الموظفين. وتركز البرامج الرسمية عادة على إعداد قادة المستقبل وتخطيط التعاقب الوظيفي، بينما تعتمد الترتيبات غير الرسمية على دعم الأقران والإرشاد في مكان العمل. وبالنسبة للشركات متعددة الجنسيات، ترتبط هذه المبادرات باستراتيجيات القيادة العالمية، أما بالنسبة للشركات المحلية فإنها تُستخدم غالبا لتعزيز الولاء وتقليل معدل دوران الموظفين. كما تكتسب استراتيجية خطة التعاقب الوظيفي الواضحة زخما، إذ إن 62% من الشركات لديها الآن واحدة، وبين الشركات متعددة الجنسيات، ترتفع النسبة إلى 80%.

الضغوط الاقتصادية تغير الأولويات: يتأثر التدريب في الغالب سلبا خلال أوقات الركود، وهذا العام لم يكن استثناء من هذه القاعدة. فقد أفادت الشركات بتخفيض نفقات السفر، وتقليل أنشطة بناء الفرق، والتركيز فقط على الدورات المرتبطة بكفاءات العمل الأساسية. وقال ما يقرب من ربع الشركات إنها قصرت جهود التعلم والتطوير على المهارات الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر على الأداء. وفي الوقت نفسه، يتجه آخرون إلى التعلم الرقمي بوصفه حلا لتوفير التكاليف، باستخدام المنصات عبر الإنترنت للحفاظ على زخم التدريب مع تقليل النفقات العامة.

وتتبنى مزيد من الشركات أنظمة رسمية لتقييم نجاح التدريب، فتتجاوز استطلاعات الرضا البسيطة نحو نماذج تقييم تعتمد على البيانات. واكتسب "نموذج كيركباتريك" — وهو معيار عالمي لقياس فعالية التدريب — شعبية، إذ تستخدمه الآن 29% من الشركات التي شملها الاستطلاع. وفي معظم الشركات، تكون إدارات الموارد البشرية والتعلم والتطوير مسؤولة عن تتبع الأداء، باستخدام مزيج من مؤشرات الأداء الرئيسية وآراء الموظفين وتقييمات المشرفين.

الشهادات المصغرة والتعلم الإلكتروني يكتسبان زخما: تعمل المنصات الرقمية على تحويل منظومة التعلم والتطوير في مصر. وتستخدم نحو 57% من المؤسسات منصات التعلم الإلكتروني — فتختار 30% منها كورسيرا، وتختار 27% لينكد إن ليرنينج، فيما تختار 23% "يوديمي". ولا يزال الوعي بالشهادات المصغرة — وهي شهادات رقمية قصيرة تركز على المهارات — محدودا، لكنه ينمو. حتى أن 27% فقط من الشركات على دراية بالمفهوم، ولم تتبناه إلا 21% فقط منها. وقالت الشركات التي تبنته إنها تقدر المرونة والقدرة على تحمل التكاليف وثقافة التعلم مدى الحياة التي تدعمها هذه الشهادات.

ما الذي يحكم اختيار مقدم الخدمة؟ وجد التقرير أنه عند اختيار مقدم التدريب، تهتم 30% من الشركات بالجودة أكثر من أي شيء آخر، وتهتم 27% بالسمعة. ويأتي السعر، برغم أهميته، في المرتبة الثالثة بنسبة 18%. إذ إن الشركات مستعدة لدفع المزيد لمقدمي الخدمات الموثوقين بدلا من المخاطرة بدورات ذات أداء ضعيف. وعادة ما يقع اتخاذ القرار داخل إدارات الموارد البشرية والتعلم والتطوير، ولكن تظل الإدارة المالية والإدارة العليا مشاركة عن كثب. كذلك تختلف تفضيلات الدفع، فيفضل ثلث الشركات الدفع فقط بعد إكمال البرنامج بنجاح، بينما يختار البعض الآخر الدفع بنسبة 50-50.


أبرز أخبار قطاع التعليم في أسبوع:

  • وقعت وزارة التربية والتعليم خطاب نوايا مع المدرسة الرقمية بدولة الإمارات لتطوير التعليم الفني. وتهدف الشراكة إلى تحديث المدارس الفنية، وربطها باحتياجات سوق العمل، وتقديم دورات برمجة في إطار نظام دولي معتمد. (بيان)
  • نفذت شركة الاستثمار المباشر التونسية أفريك إنفست أحد "أكبر الاستثمارات الأجنبية المباشرة في قطاع التعليم المصري حتى الآن" في الجامعة البريطانية في مصر من خلال زيادة رأس المال.
  • وقعت وزارة التربية والتعليم مذكرة تفاهم مع جامعة هيروشيما اليابانية ومؤسسة سبريكس التعليمية اليابانية لمنح طلاب المدارس الثانوية شهادة معتمدة في البرمجة والذكاء الاصطناعي عبر منصة كيريو اليابانية، وهي الأولى من نوعها في مصر. (بيان)