تعد مصر رائدة عالمية محتملة في مجال الشحن الأخضر بفضل موقعها الاستراتيجي ومواردها المتجددة الهائلة. ولكن مع تلاشي الحماس المبدئي لمشاريع التكنولوجيا الخضراء الجديدة عالميا، يبرز السؤال الأهم: ما مدى واقعية الضجة حول الوقود الأخضر؟ ناقشنا خبراء الصناعة لفهم العقبات الرئيسية التي تواجه نمو قطاع تزويد السفن بالوقود الأخضر وكيف يمكن لمصر تجاوز هذه الشكوك لتحويل خططها الكبرى إلى واقع ملموس على الأرض.

بدايةً، لا تزال السوق العالمية للوقود القائم على الهيدروجين الأخضر غير متطورة إلى حد كبير. “في الوقت الحالي، السوق مدفوعة بحقائق قاسية فيما يتعلق باقتصاديات مشاريع الهيدروجين،” وفق ما قاله لنا فادي النعيمي، زميل الصناعة الخضراء في معهد كاربون لأبحاث المناخ الإقليمي. “نحن نشهد اتجاهًا عالميًا” لتقليص بعض المشاريع، والذي يمكن اعتباره “تصحيحا ضروريا للسوق،” وفقا للنعيمي.

يُعد غياب اتفاقيات الاستهلاك المؤكدة التحدي الأكبر الذي يواجه تزويد السفن بالوقود الأخضر، إذ يشير ذلك إلى عدم وجود جدوى اقتصادية لدفع العديد من المشاريع المعلنة قدما، حسبما قالت كيارا أروفو، مديرة الأبحاث في داي ديسيرت إنرجي لإنتربرايز.

مثال إقليمي: قالت شركة مصدر الإماراتية العملاقة للطاقة المتجددة الشهر الماضي إنها ستعيد توجيه الطاقة من مشروعها الضخم للطاقة الشمسية والبطاريات بقيمة 6 مليارات دولار من إنتاج الهيدروجين الأخضر إلى تشغيل الذكاء الاصطناعي. وقال الرئيس التنفيذي محمد جميل الرمحي بعد الإعلان: “اليوم، يتعرض الهيدروجين الأخضر لضغوط، والسوق تتقلص. والكثير من الأشخاص الذين دخلوا هذا المشروع خرجوا منه.”

عالميا: جرى الإعلان عن إلغاء ما لا يقل عن 50 مشروعا لإنتاج الهيدروجين النظيف في الـ 18 شهرًا الماضية، ما يمثل 4 ملايين طن سنويا من القدرة، وذلك وفقًا لتقرير ” جلوبال هيدروجين كومباس 2025 ” الصادر عن مجلس الهيدروجين (بي دي إف) في وقت سابق من هذا الشهر. وفي أفضل السيناريوهات، من المتوقع أن يتخذ نحو 20% إلى 30% من مشاريع الهيدروجين النظيف المعلن عنها في العالم — ما يمثل 9-14 مليون طن سنويًا — قرار استثمار نهائي بحلول عام 2030.

ولكن هذا قد يتغير قريبا بفضل الإجراءات التنظيمية الجديدة للمنظمة البحرية الدولية، حسبما يتوقع تقرير “التوقعات البحرية 2050” الذي نشرته مؤخرا شركة “دي إن في”، المستشار النرويجي للصناعة البحرية. ومن المتوقع أن يصل الطلب على وقود الشحن منخفض الكربون — بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال — إلى 25 مليون طن مكافئ نفطي بحلول عام 2030، ارتفاعا من 17 مليون طن مكافئ نفطي المتوقعة في تقرير “دي إن في” العام الماضي.

وفي حين أن 1% فقط من عقود الشراء الملزمة الحالية للهيدروجين الأخضر والأمونيا مخصصة لوقود الشحن، من المتوقع أن ينمو هذا الرقم، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى توجيهات المنظمة البحرية الدولية والاتحاد الأوروبي التنظيمية، وفقا لمديري الشركات الذين استطلع مجلس الهيدروجين آراءهم. وتتفق أروفو على أن قواعد المنظمة البحرية الدولية الجديدة ستكون “ضرورية لتوليد طلب أكبر على وقود الشحن المعتمد على الهيدروجين الأخضر” ولتحديد مزاياها المناخية بوضوح.

ومن المقرر أن تعتمد المنظمة البحرية الدولية رسميًا الشهر المقبل إطار عملها للحياد الكربوني، والذي يهدف إلى خفض الانبعاثات بنسبة 20% بحلول عام 2030 والوصول إلى صافي الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2050، من خلال مجموعة من توجيهات وعقوبات خفض الانبعاثات. وقد جرى اعتماد إطار عمل الحياد الكربوني في أبريل الماضي، ومن المقرر أن تجري المنظمة البحرية الدولية تصويتا نهائيا لاعتماده الشهر المقبل.

لكن نجاح خطة المنظمة البحرية الدولية سيعتمد بشكل كبير على مسار أسعار النفط والغاز. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن يكون دفع غرامات المنظمة البحرية الدولية أقل تكلفة للشاحنين الذين يستخدمون زيت الوقود عالي الكبريت حتى عام 2030 قبل أن يجري تحفيزهم للتحول إلى بدائل أنظف، وفقا لتقرير مجلس الهيدروجين. وزيت الوقود منخفض الكبريت جداً (VLSFO) هو نوع من الوقود المشتق من الوقود الأحفوري فرضته المنظمة البحرية الدولية في عام 2020 للحد من انبعاثات الكبريت الضارة، ويستخدم حاليا من جانب أكبر السفن في الصناعة.

ومع ذلك، سيتعين على الحكومات الملتزمة بإزالة الكربون أن تتجاوز لوائح “الخفض أو الدفع” لتحفيز الصناعة. وقالت أروفو “دون سعر واضح لانبعاثات الكربون وإزالة الدعم عن الوقود الأحفوري، من الصعب على الهيدروجين الأخضر وحلول الطاقة المتجددة الأخرى أن تنافس بناء على التكلفة وحدها. وهذا يشكل حاجزاً حاسما أمام تبنيها على نطاق واسع”. ويمكن أن تشمل أشكال الدعم الأخرى من الحكومات الدعم المالي المباشر، والذي قال النعيمي إنه سيكون “حتميا لتقليل مخاطر المشاريع”.

ستكون السنوات القليلة المقبلة حاسمة لسوق الوقود الأخضر، حيث تدخل الصناعة والحكومات فترة “إعادة تقويم”. ووفقا للرؤساء التنفيذيين الذين شملهم استطلاع تقرير مجلس الهيدروجين، فإن الأولويات المتنافسة المتعلقة بأمن الطاقة والقدرة التنافسية وفعالية التكلفة ستشكل هذا التقويم. ومن المتوقع أن تحل الفترة القادمة “الواقعية والبراجماتية” محل الضجة، مع تقدم أقوى المشاريع فقط، مما قد يؤدي إلى صناعة أكثر مرونة، حسبما يشير التقرير.

يمكن لمصر أن تستفيد من مضاعفة جهودها في مجال الميثانول الأخضر، بالنظر إلى أن النشر واسع النطاق للوقود النظيف أكثر جدوى من نظيريه المعتمدين على الهيدروجين – الهيدروجين الأخضر والأمونيا. وقد قامت الموانئ التي تمثل 45% من سعة تموين السفن في العالم بتنفيذ أو تخطيط بنية تحتية لتموين الميثانول، مما يشير إلى المزيد من الجاهزية للبنية التحتية.

الجغرافيا ليست الميزة التنافسية الوحيدة لمصر. يعتبر ميناء العين السخنة ضمن أفضل 80 ميناءً في العالم التي تتمتع “بخبرة متطورة في إدارة المنتجات الكيميائية”، مما يشير إلى “جاهزية قوية للتعامل أيضا مع الوقود القائم على الهيدروجين”، وفقا لتقرير وكالة الطاقة الدولية مراجعة الهيدروجين العالمية 2025 (بي دي إف). وإلى جانب موقعه الاستراتيجي على طول قناة السويس — الذي يربط أوروبا بآسيا — يبرز ميناء العين السخنة كموقع مفضل للتبني المبكر لوقود التحول إلى الهيدروجين منخفض الانبعاثات.

تذكر – تخطط مصر لبدء عمليات تموين الميثانول التجاري بحلول عام 2027 في موانئ قناة السويس، وقد اختبرت بنجاح عملية تموين سفينة حاويات في شرق بورسعيد عام 2023.

وفي حين يتوقف مستقبل سوق التموين الأخضر على ديناميكيات السوق العالمية خارج نطاق سيطرتنا، هناك العديد من الإجراءات التي يمكننا اتخاذها لضمان تأمين حصة من أي سوق مستقبلية. بدايةً، يجب على مصر أن تركز على مفهوم “البنية التحتية للمستخدم المشترك” – وهي مرافق وأصول مشتركة مجمعة يمكن أن يستخدمها العديد من المطورين كما هو الحال في العين السخنة، حسبما قالت أروفو. وأوضحت أروفو: “هذا النهج التعاوني يمنع ازدواجية المرافق الأساسية مثل خطوط الأنابيب، مما يسمح للمطورين بدفع تعريفة مقابل الوصول المشترك بدلاً من تحمل النفقات الرأسمالية الكبيرة لبناء مرافقهم الخاصة. وهذا يجعل هذه المشاريع واسعة النطاق أكثر جدوى اقتصاديا”.

البنية التحتية للمستخدم المشترك ليست جيدة لخفض التكاليف فحسب، بل إنها ضرورية أيضًا لتوفير الموارد. على سبيل المثال، يمكن لمرافق تحلية المياه المشتركة التي تستخدم مياه البحر أن “تساعد في تخفيف المخاوف بشأن استخدام المياه في مشاريع الهيدروجين الأخضر كثيفة الاستخدام للمياه”، كما توضح أروفو. وهذا يقلل من مخاطر استنزاف المشاريع الفردية لموارد المياه العذبة المحلية أو مواجهة تكاليف باهظة لتوفير المياه.

قالت أروفو إن النهج الأكثر مركزية لتخطيط البنية التحتية للهيدروجين يمكن أن يزيد أيضا من ثقة المستثمرين في قابلية تنفيذ المشاريع. وتُعد “هيدروم” — وكالة التخطيط الرئيسية لاستراتيجية الهيدروجين في سلطنة عمان — مثالا جيدا على الكيان المخصص الذي “يتولى ملكية العملية” لفحص المشاريع وتقديم العطاءات وتخطيط البنية التحتية، مما قد يساعد في تبسيط العملية، وخفض التكاليف، وتوفير الطمأنينة للمستثمرين، حسبما أضافت.

الخلاصة: بينما تحتل مصر مكانة رائدة في مجال تزويد السفن بالوقود الأخضر، فإن طموحاتها تتوقف على ديناميكيات السوق العالمية ومستقبل أسعار النفط والغاز. ومع ذلك، فإن الدعم الحكومي القوي، والحوافز الواضحة، وإجراءات الحد من المخاطر يمكن أن تساعد البلاد في تأمين حصة كبيرة من السوق المستقبلية.