يرى معظم المحللين الذين استطلعت إنتربرايز آراءهم أن البنك المركزي المصري سيواصل دورة التيسير النقدي هذا الأسبوع، عندما تجتمع لجنة السياسة النقدية يوم الخميس في سادس اجتماعاتها لهذا العام. وتوقع ثمانية من أصل 12 خبيرا اقتصاديا ومصرفيا تحدثوا إلى إنتربرايز خفض أسعار الفائدة بما يتراوح بين 100-200 نقطة أساس، في حين يرى المشاركون الأربعة الآخرون أن البنك المركزي سيُبقي على أسعار الفائدة دون تغيير.

تذكر- خفض البنك المركزي أسعار الفائدة بواقع 200 نقطة أساس في اجتماعه الخامس لهذا العام الذي عُقد في أغسطس، ليستأنف بهذا دورة التيسير النقدي، التي توقفت مؤقتا في يوليو بعد خفضين متتاليين بإجمالي 325 نقطة أساس في أبريلومايو. ويمثل خفض أسعار الفائدة في أغسطس ثالث خفض يجريه البنك منذ نوفمبر 2020.

مستويات أسعار الفائدة الحالية: يبلغ سعر الفائدة على الودائع لليلة واحدة حاليا 22.0%، وسعر الإقراض لليلة واحدة 23.0%، وسعر العملية الرئيسية والخصم 22.5%. وبذلك تكون أسعار الفائدة قد انخفضت بمقدار 525 نقطة أساس منذ أن بدأ البنك دورة التيسير النقدي في أبريل.

تباطؤ التضخم يمنح المركزي مساحة للتحرك: منح تباطؤ التضخم البنك المركزي المساحة اللازمة لمواصلة خفض أسعار الفائدة، مع تراجع المعدل السنوي للتضخم العام في المدن بواقع 1.9 نقطة مئوية ليصل إلى 12.0% على أساس سنوي في أغسطس، وفق ما أكده معظم المحللين في تعليقاتهم لإنتربرايز. وبهذا الانخفاض، يصل معدل التضخم العام في البلاد إلى أدنى قراءة له منذ مارس 2022، مسجلا الشهر الثالث على التوالي من تباطؤ نمو الأسعار، مما يعطي تأكيدا إضافيا للكثيرين على أن المسار الانكماشي للتضخم العام في البلاد سيستمر.

وأشار بعض المحللين أيضا إلى استقرار سعر الصرف بوصفه سببا يدفع البنك المركزي لاتخاذ قرار الخفض، من بينهم الخبير الاقتصادي هاني حافظ، الذي قال في حديثه إلى إنتربرايز إن لجنة السياسة النقدية لديها “نافذة ذهبية”، إذ يمكنها الاستفادة من “تباطؤ التضخم واستقرار الجنيه المصري”. وبالمثل، أشار محلل الاقتصاد الكلي لدى إي إف جي هيرميس، محمد أبو باشا إلى “ارتفاع قيمة الجنيه، وغياب إجراءات الضبط المالي، والتأثير المواتي لسنة الأساس” على أنها دوافع لمسار إيجابي للتضخم.

لماذا الآن؟ يرى دويتشه بنك أن أكتوبر هو الوقت المناسب لتطبيق الخفض المتبقي لهذا العام بشكل استباقي، مع الأخذ في الحسبان أن إصلاحات صندوق النقد الدولي المرتقبة من المقرر أن تضيف ضغوطا تضخمية في وقت لاحق من العام. ويضيف أنه من أجل إقناع الصندوق بالموافقة على المراجعتين المدمجتين الخامسة والسادسة لتسهيل الصندوق الممدد، ستؤدي الزيادات المرتقبة في أسعار الوقود إلى “تأثير إضافي على التضخم في نوفمبر وربما ديسمبر”.

على الرغم من التخفيضات الأخيرة في أسعار الفائدة، لا تزال أسعار الفائدة الحقيقية عند مستويات مرتفعة تاريخيا، حسبما قاله هاني حافظ لإنتربرايز. وأضاف أن هذا يمنح البنك المركزي هامشا مريحا لخفض أسعار الفائدة دون تهديد استقرار السوق أو جاذبية تجارة الفائدة لدينا.

ولكن ليس هذا هو الرأي السائد بين الجميع حول ماهية قرار اللجنة، ومن بينهم أستاذ الاقتصاد مدحت نافع ورئيس بنك التنمية الصناعية السابق ماجد فهمي، اللذان يعتقدان أن المركزي سيتوقف مؤقتا على الأرجح عن خفض أسعار الفائدة هذا الأسبوع. ويرى الخبيران أن البنك سيفضل الانتظار وتقييم تأثير الزيادات المرتقبة في أسعار الوقود قبل اتخاذ أي خطوة.

قد يبقي البنك يبقي على أسعار الفائدة مستقرة “لإعطاء الاقتصاد وقتا كافيا لاستيعاب خفض أغسطس البالغ 200 نقطة أساس بشكل كامل”، وفق ما قالته محللة الاقتصاد الكلي لدى شركة إتش سي هبة منير لإنتربرايز. وأشارت أيضا إلى “التأثير التضخمي المتوقع لزيادة سعر الغاز الطبيعي للقطاع الصناعي بواقع دولار واحد لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، والزيادات المرتقبة في أسعار الوقود التي ستُعلن في أكتوبر”، ضمن الأسباب الكامنة وراء توقعاتها.

إذا اتجه البنك المركزي لخفض بواقع 200 نقطة أساس، فإن أي تخفيضات مستقبلية هذا العام ستكون محدودة، حسبما أضافه هاني حافظ. وحتى إذا افترضنا أن البنك المركزي سيتخذ قرارا بخفض أكبر، فمن المتوقع أن تراقب الحكومة من كثب التأثير التضخمي لزيادات أسعار الطاقة المخطط لها، في ظل الخطوات التي تمضي فيها لإلغاء الدعم تدريجيا بموجب التزاماتها تجاه صندوق النقد الدولي، حسبما قاله الخبراء.

وكما هو الحال دائما، “ستظل دورة التيسير النقدي تدريجية وتعتمد على البيانات”، حسبما قاله الخبير الاقتصادي ومستشار الأعمال في كلية كينت للأعمال علي متولي، في إشارة إلى نهج البنك المركزي المعلن منذ مدة طويلة تجاه هذه المسألة. وأضاف أن البنك المركزي سيواصل الموازنة بين “مخاطر التضخم والحاجة إلى دعم النمو وتقليل العبء المالي لخدمة الديون المرتفعة”. وفي ظل هذه الرؤية، يتوقع متولي تخفيضات تتراوح بين 200-300 نقطة أساس بحلول نهاية العام، بما في ذلك خفض هذا الأسبوع. ويرى البعض، ومن بينهم أبو باشا، أن الزيادة المخطط لها في أسعار الوقود ستدفع البنك إلى الإبقاء على أسعار الفائدة في اجتماع نوفمبر أثناء تقييمه للتأثير.

ويبدو بعض المحللين أكثر تفاؤلا في توقعاتهم لعام 2025، ومن بينهم جيمس سوانستون، الخبير الاقتصادي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى كابيتال إيكونوميكس، الذي يعتقد أن البنك قد يخفض أسعار الفائدة بما مجموعه 400 نقطة أساس من الآن وحتى نهاية العام. وبافتراض أن التضخم سيتباطأ خلال الفترة المتبقية من العام ليصل إلى متوسط 11.0% على أساس سنوي في الربع الرابع، يرى سوانستون أن البنك سيتجه لخفض أسعار الفائدة بواقع 200 نقطة أساس هذا الأسبوع، يليه خفضان بواقع 100 نقطة أساس في نوفمبر وديسمبر، ليصل سعر الفائدة على الودائع لليلة واحدة إلى 18.0%.

كذلك يميل الخبراء الذين يتوقعون تثبيت أسعار الفائدة هذا الأسبوع، إلى تقليص توقعاتهم للتخفيضات القادمة في الأشهر القليلة المتبقية من العام، ومن بينهم رئيس قسم البحوث في بلتون القابضة أحمد حافظ، الذي يرى مجالا لخفض إضافي بواقع 250 نقطة أساس في الربع الرابع إذا أبقى البنك على أسعار الفائدة مستقرة في اجتماعه المقبل.

وإذا تسارع التضخم في قراءة سبتمبر، فقد تُستبعد التخفيضات الأخرى في أسعار الفائدة لعام 2025 — حتى لو أبقت لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة هذا الأسبوع — حسبما قاله نافع. وأضاف: “إذا أظهرت قراءات التضخم الشهرية تسارعا حادا، فقد يستمر هذا النمط من التثبيت حتى نهاية العام”.

وثمة إجماع بين الخبراء على أن التضخم قد يرتفع مرة أخرى في وقت ما من عام 2025، لكنهم يعتقدون أنه لا يوجد ما يدعو للذعر، فمن المتوقع أن يظل أي ارتفاع في الضغوط التضخمية في نطاق 12-14% على أساس سنوي، حسبما قاله متولي لإنتربرايز. وأضاف أن أي ارتفاع في هذا النطاق سيظل أقل بكثير من ذروات العام الماضي.

إذا ارتفع التضخم بالفعل، فإن الزيادات القادمة في أسعار الوقود والطاقة والمياه ستكون هي السبب وراء ذلك، حسبما قاله هاني حافظ لإنتربرايز. كذلك يعتقد أن التضخم سيختتم عام 2025 في نطاق 12-14%. وبالمثل، توقع أبو باشا أن ينهي التضخم العام عند 13-14%، مشيرا إلى الزيادة المتوقعة في أسعار الوقود بنسبة 15-20% في أكتوبر.

وثمة مخاوف من أننا ربما نبالغ في تقدير تأثير الزيادة المرتقبة في أسعار الوقود، إذ “تشير البيانات التاريخية إلى أن زيادات أسعار الوقود تؤدي إلى ارتفاع في معدل التضخم الشهري إلى ما يقرب من 3%”، وهذا من شأنه — حتى لو كان عند الحد الأعلى من التقديرات البالغ 3.5% — أن يدفع المعدل السنوي العام إلى 13.5% على أساس سنوي، أو 14% على أساس سنوي مع تأثيرات غير مباشرة، وفقا لرئيس قسم البحوث في الأهلي فاروس هاني جنينة. ولكن بعد هذه الزيادة الأخيرة لإنهاء دعم الوقود نهائيا، “ستكون الزيادات المستقبلية هي النسبة المعتادة البالغة 10%، أقل أو أكثر من السعر السابق، اعتمادا على أسعار الوقود والنفط العالمية وسعر الصرف”، مما يفتح الباب أمام خفض التضخم إلى مستوياته المستهدفة.

ومع ذلك، يعتقد آخرون أن معدل التضخم قد يتحمل الضغوط التضخمية القادمة، فمن المحتمل أن تُمتص زيادات أسعار الوقود من خلال انخفاض فاتورة واردات البلاد مع ارتفاع قيمة الجنيه مقابل الدولار، حسبما قاله عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي محمد عبد العال لإنتربرايز. ويرى عبد العال أن التضخم العام سيستقر عند نحو 12% على أساس سنوي في المتوسط والتضخم الأساسي عند 10% على أساس سنوي في المتوسط.

وعلى المدى القصير، يرى العديد من المحللين أن التضخم سينخفض في سبتمبر، ومن بينهم دويتشه بنك، الذي يعتقد أن التضخم سينخفض بنحو 1.5 نقطة مئوية إلى نحو 10.5% على أساس سنوي. ويتوقع أبو باشا أيضا أن ينخفض التضخم مرة أخرى في سبتمبر، قبل أن يرتفع في الشهر التالي “عندما تُطبق الزيادة التالية — والأخيرة — في أسعار الوقود”.