?️ في عصرنا الحديث بات العمل حاضرا في كل مكان، وكأنه لا مهرب منه يرجى ولا فكاك منه ينتظر. وقد التقطت السينما والتلفزيون خلال الأعوام الأخيرة تلك الحالة، لتفتح الباب واسعا أمام صعود نوع درامي يتوسع وينتشر تحت اسم "دراما بيئة العمل". هذا اللون الفني ليس وليد اليوم، إلا أن زخمه تضاعف بعد الجائحة لسبب وجيه وبسيط: أنه يجمع بين تجربة يومية مألوفة للمشاهد، وحبكات درامية قد تبدو متخيلة لكنها تحمل الكثير من الواقع، وفقا لتقرير فايننشال تايمز.

**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**

قبل كل شيء، ماذا نقصد بدراما بيئة العمل؟ يشير هذا النوع إلى أعمال درامية تركز على مجموعة متنوعة من الشخصيات أثناء تعاملهم مع الروتين اليومي والمفارقات الطريفة التي تملأ أجواء المكاتب والمستشفيات والمحاكم، وغيرها من أماكن العمل. من بين الأمثلة الكلاسيكية التي رسخت هذا اللون على الشاشة مسلسل Grey’s Anatomy في عام 2005 وThe Good Wife في 2009، والمسلسل الكوميدي الأشهر The Office عام 2005. ورغم أن هذا النوع كان يوما ما أقل بريقا مقارنة بالخيال العلمي أو القصص الرومانسية، فقد أصبح اليوم أحد أعمدة الدراما التلفزيونية، ليخرج أعمالا حديثة لاقت استحسان الجمهور بشكل كبير مثل Severance وThe Studio وThe Pitt، وهي أعمال لم تكتف بتصدر قوائم المشاهدة، بل خطفت أيضا الأضواء في حفل جوائز الإيمي الـ 77.

أنهوا دوامهم وعادوا إليه من جديد: قد يبدو الأمر متناقضا أن يلجأ الجمهور إلى الترفيه عبر مسلسلات تجسد نفس الأجواء التي يسعى إلى الابتعاد عنها، لكنه على الأرجح ما يحتاجه تماما. ما تقدمه دراما بيئة العمل هو مجموعة من السيناريوهات المتباينة التي ترتكز جميعها على قاعدة واحدة هي الصراع، بحسب فايننشال تايمز. وهذه القابلية للتجسيد الواقعي هي سر انجذاب المشاهدين واستمرارهم في المتابعة. فسواء كان مسرح الأحداث مكتبا أو مطبخا أو غرفة عمليات، فإن الملامح الجوهرية تبقى واحدة، لأن "الطموحات المجهضة والمديرين عديمي الحس" لا تختلف كثيرا من مكان لآخر.

المسألة لا تتعلق فقط بقصص لها صلة بواقع يومي، فدراما مكان العمل تفتح الباب لخيالات طالما راودت الموظفين: استقالات صاخبة، أو ارتكاب جريمة قتل بالخطأ لمدير مزعج في لحظة عابرة، أو علاقات غرامية سرية تمضي دون أي تبعات. ومن خلال شخصيات تجمع بين الألفة التي تدعو للتعاطف والغرابة التي تضفي الإثارة، تتحول هذه السيناريوهات الافتراضية إلى واقع درامي يمنح الجمهور لحظة تطهير نفسي، تعوض عجزهم عن كسر القيود في حياتهم اليومية.

لكن يجب ملاحظة أن صعود دراما بيئة العمل ليس ظاهرة سطحية أو طارئة، بل انعكاس لتحول عميق في علاقتنا بالوظيفة. يعد اندماج العمل في تفاصيل الحياة الشخصية، والعكس بالعكس، هو ما مهد الطريق لانتشار هذا النوع، بحسب بي بي سي. وقد ظهر ذلك جليا في موجات المحتوى على وسائل التواصل: من فيديوهات "استعدوا معي للعمل" على تيك توك، إلى مقاطع "جدولي من الخامسة إلى التاسعة بعد التاسعة إلى الخامسة" على إنستجرام، مرورا بسيل من المحتوى الذي يضع الوظيفة في قلب الحياة اليومية. التقطت هوليوود الخيط سريعا، لأنه "حين تتغير طبيعة الأشياء، تنشأ فرص جديدة للسرد القصصي"، حسبما يوضح المخرج جوزيف باتيل.

أصبح العمل محور حياتنا، ولم تعد هناك لحظة "انصراف" حقيقية. صرنا متاحين في أي وقت عبر البريد الإلكتروني والرسائل النصية وسلاك، وحتى منصات الذكاء الاصطناعي التي تتعامل معها شركاتنا. بات العمل "التزاما اجتماعيا، وليس اقتصاديا فحسب"، وفقا لما يوضحه سام ووترمان الأستاذ المساعد للأدب الإنجليزي بجامعة نورث إيسترن لفايننشال تايمز. ويبدو أن الأمر يستدعي التفكير بالفعل، إذ أن دراما بيئة العمل اليوم تختلف تماما عما كانت عليه سابقا. فبينما كانت في الماضي تدور حول الطموح، أصبحت الآن تدور ببساطة حول البقاء.

وبما أننا نتحدث عن دراما المكاتب، هل شاهدتم مسلسل The Paper الجديد بعد؟