توسع شركات المقاولات المصرية في الخارج.. فرص واعدة وتحديات تمويلية وتنظيمية: تتطلع شركات المقاولات المصرية بشكل متزايد إلى توسيع نطاق أعمالها خارج السوق المحلية، مدفوعة بخبراتها المتراكمة في مشروعات البنية التحتية محليا، والرغبة في النفاذ إلى أسواق إقليمية تشهد طفرات عمرانية واستثمارية. ورغم وفرة الفرص المتاحة، إلا أن الطريق محفوف بتحديات تنظيمية وتمويلية عديدة، وفق ما أكدته جهات فاعلة في القطاع لإنتربرايز.

الاستقرار المالي أكبر مكاسب التوسع الخارجي: فرضت الظروف الاقتصادية المعاكسة على لاعبي قطاع المقاولات في السنوات القليلة الماضية التحرك سريعا نحو توسيع تواجدها إقليميا، وسط خطط للعديد من الشركات تستهدف استحواذ الأعمال الخارجية على النصيب الأكبر من الأعمال المنفذة لضمان استقرار واستدامة التدفقات المالية وتجنب صدمات سعر صرف الجنيه، وفقا لما قاله المقاولون لإنتربرايز. كما تتواصل التوجيهات الحكومية لشركات قطاع الأعمال العام بضرورة التوسع الخارجي وزيادة حجم الأعمال في الأسواق الإقليمية والدولية، مستفيدين من الخبرات المتراكمة والإمكانيات الفنية للشركات التابعة، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل وزيادة العوائد، ورفع القدرة التنافسية إقليميا.

التحالفات الاستراتيجية ضرورية لفتح الأسواق: تعتمد شركة رواد الهندسة الحديثة، على سبيل المثال، على ثلاث ركائز رئيسية لدخول الأسواق الدولية، تتمثل في عقد شراكات هندسية مع شركات محلية في الدول المستهدفة، وأخرى تمويلية مع جهات مثل وكالة ائتمان الصادرات البريطانية، التي وقّعت معها الشركة مؤخرا مذكرة تفاهم، وأخيرا نقل تكنولوجيا من وإلى السوق المصرية، لدعم التحديث المستمر للقدرات المحلية، وفقا لما قاله الرئيس التنفيذي للشركة محمد محلب لإنتربرايز. كما أصبح التوسع في السعودية لا يحتاج إلى "كفيل"، وإنما يتطلب شريكا محليا حقيقيا يعرف السوق ويمتلك القدرة على تسهيل التواجد القانوني والتشغيلي، وفقا لما قاله رئيس مجلس إدارة ريدكون بروبرتيز طارق الجمال لإنتربرايز.

الاستمرارية والتمويل المفتاح لدخول أسواق خارجية لا ترحم: يعتمد قرار دخول أي سوق خارجية أولا على وضوح الرؤية بشأن استمرارية العمل، كما هو الحال في السوق السعودية، حيث توجد خطة مشروعات طويلة الأجل تمتد حتى ما بعد استضافة كأس العالم 2034، وثانيا توافر التمويل الدولي لا سيما في بعض الأسواق الأفريقية، ما يقلل من مخاطر التأخر في السداد، ويسهّل اتخاذ قرار الدخول إليها، حتى وإن كانت الاستمرارية محدودة، وفقا لما قاله محلب لإنتربرايز. كما يعتبر غياب التمويل العائق الأكبر أمام دخول الأسواق الأفريقية، ما يؤكد ضرورة وجود "ظهر تمويلي" للشركات المصرية، وفقا لما قاله الجمال لإنتربرايز، مشيرا إلى استفادة فرع الشركة في السعودية من المشاريع الممولة من قبل صندوق التنمية السعودي في أفريقيا.

بعد السعودية.. بلدان إعادة الإعمار أصبحت أكثر جذبا للشركات المحلية: لا تزال المملكة العربية السعودية تمثل السوق الخارجية الأبرز حاليا لشركات المقاولات المصرية، بفضل الطلب المتواصل على المشروعات العملاقة، ووجود رؤية واضحة تمتد حتى عام 2030 وما بعده، وفقا لما قاله المقاولون لإنتربرايز. كما أن البيئة التنظيمية الرقمية المتطورة مثل منصة "أبشر" وسهولة تملك الأجانب وتنوع المشاريع في قطاعات مثل السياحة والصناعة والبنية التحتية، جعلت من المملكة وجهة جاذبة، حسبما يعتقد الجمال. وبعض الأسواق، مثل ليبيا والعراق، أصبحت أكثر جذبا مع بدء جهود إعادة الإعمار، شريطة توافر التمويل الآمن، أو من خلال شراكات مع مؤسسات تمويل دولية، حسبما أفاد محلب.

المنافسة خارجيا تتطلب جاهزية شاملة: العمل خارج مصر يشبه "اللعب في كأس العالم"، لا سيما وأن المنافسة في الخليج وأفريقيا والعراق لا تقتصر على الكفاءة الهندسية، بل تشمل فهم قوانين العمل، والثقافات المحلية، والشراكات مع كيانات وطنية وجهات تمويل، وفقا لما قاله محلب، مضيفا: "في أفريقيا نتعامل مع 54 دولة، كل بلغة وثقافة وتحديات مختلفة. من لا يستعد مسبقا، يخسر الجولة قبل أن يبدأ". ومع تسارع الرقمنة في قطاع التشييد، أشار الجمال إلى أن نقص الكوادر المؤهلة للعمل على النظم الرقمية المتقدمة يمثل أحد أبرز التحديات أمام شركات المقاولات في الأسواق الخارجية. أضف إلى ذلك أن معظم المشروعات الكبيرة في أفريقيا تتم عبر تمويلات من البنك الدولي والهيئات التنموية العالمية، ما يعني تطبيق معايير صارمة في السلامة والاستدامة والجودة، لا تقل صرامة عن مثيلاتها في الخليج.

تعد المقاولات بوابة غير مباشرة لتصدير المنتجات المصرية: لا ينبغي النظر إلى تصدير خدمات المقاولات كخدمة هندسية فقط، بل كقوة ناعمة لفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والصناعات المصرية، لا سيما مواد البناء والتشطيبات، وفقا لما قاله محلب، مضيفا: "نحرص على استخدام خامات مصرية مثل الرخام والشدات المعدنية في المشروعات التي ننفذها خارج مصر. هذه السياسة تحرك الطلب على المنتجات المحلية وتخلق فرصا تصديرية غير تقليدية". وبينما لا يزال حجم الصادرات المصرية لمشاريع المقاولين خارجيا محدودا، تشتد الحاجة إلى إعادة النظر في دعم الخدمات الهندسية والاستشارية، باعتبارها "رأس الحربة" في توسيع نشاط شركات المقاولات، حسبما يعتقد الجمال. ويأتي هذا في الوقت الذي تتلقى فيه الشركات التركية حوافز من حكومتها كلما تمكنت من زيادة صادرات البلاد إلى المشاريع التي ينفذها المقاولون الأتراك في الخارج.

قطاع النقل يقود البنية التحتية محليا وإقليميا: يعد قطاع النقل "قاطرة التنمية الحقيقية"، سواء في مصر أو المنطقة، لا سيما وأن كل الدول التي تسعى إلى استدامة التنمية تبدأ من هذا القطاع، وفقا لما قاله محلب. كما يرى الجمال أن قطاعات البنية التحتية الثقيلة مثل الأنفاق والسكك الحديدية تمثل فرصا استراتيجية لمقاولي مصر، نظرا لما تتطلبه من خبرات متراكمة ومعدات متقدمة، حيث تمتلك مصر ميزة نسبية واضحة في هذا المجال بفضل تجربة تراكمية تمتد لعقود، جعلتها أول دولة في المنطقة العربية وأفريقيا تنفذ مشروعات أنفاق وقطارات كهربائية، وهو ما يمكن البناء عليه لاقتناص فرص إقليمية.

التفوق محليا بوابة النجاح في الأسواق الخارجية: النجاح في الأسواق الدولية يبدأ من الداخل، حسبما يعتقد محلب، لافتا إلى تطوير نظاما رقميا متكاملا (ERP وBIM) على مدار سنوات ليربط بين أقسام التصميم والتنفيذ والتوريد لدى رواد الهندسة الحديثة، والذي يدار بالكامل دون أوراق. "كل مشروع يمر بمنظومة رقمية مغلقة منذ دراسته وحتى تسليمه... هذه القدرة التكنولوجية منحتنا قدرة تنافسية حقيقية في السوقين المحلية والدولية"، وفقا لما قاله محلب.

لكن، التوسع الخارجي ليس بديلا عن السوق المحلية: التواجد الخارجي لا ينبغي أن يكون على حساب تطوير الكفاءات المحلية أو الانفصال عن المجتمع، وفقا لما قاله محلب، مشيرا إلى أهمية دمج الطواقم الوطنية في بيئة العمل الدولية، وجعلهم جزءا من النسيج المحلي للمشروعات لضمان الاستدامة والقبول. كما تعد التكنولوجيا الحل لتعويض نقص العمالة، خاصة في الأسواق الأكثر تنظيما. وتُعد ريدكون من أوائل الشركات في المنطقة التي تطبق نظم الـ (Building Information Modeling)، والتي تتيح محاكاة المشروع قبل تنفيذه وتحليل التكاليف والزمن والاستدامة والمرافق التشغيلية.

التمويل وخطابات الضمان حجر العثرة في رحلة التوسع الخارجي

شركات المقاولات المصرية بحاجة إلى دعم تمويلي لمواكبة المنافسين الدوليين: من أبرز التحديات التي تواجه شركات المقاولات المصرية في الأسواق الخارجية، ضعف الدعم المالي والمؤسسي مقارنة بدول مثل تركيا والصين التي تدخل الأسواق الإقليمية محملة بتمويلات رخيصة لحكومات هذه البلدان، وفقا لما قاله المقاولون لإنتربرايز، موضحين أن شركات المقاولات في هذه الدول تستفيد من وجود كيانات تمويلية قوية تصدر خطابات ضمان، وتوفر تسهيلات ائتمانية لتسهيل الفوز بالمناقصات الدولية. يأتي هذا بينما لا يزال الحصول على خطابات ضمان دولية تحديا، لا سيما عند تأسيس شركات جديدة خارج مصر، إذ لا تمتلك "تاريخا ائتمانيا"، حسبما أوضح الجمال.

مطالب بتحفيز البنوك المحلية للعب دور أكثر فاعلية في إصدار خطابات ضمان دولية: دعا مقاولو البناء والتشييد في حديثهم مع إنتربرايز إلى تحفيز البنوك المحلية للعب دور أكثر فاعلية في إصدار خطابات ضمان دولية، مشيرين إلى صعوبة الحصول على هذه الضمانات في أسواق مثل السعودية عند دخولها لأول مرة. بعض البنوك المصرية تصدر خطابات ضمان لمشاريع الشركات المحلية خارجيا بضمان سجلها الائتماني المحلي، ولكن يأتي هذا على نطاق محدود بين البنوك وشركات المقاولات، وفقا لما قاله الجمال، داعيا إلى توفير إطار حكومي شامل لدعم شركات المقاولات في التوسع الخارجي، لا سيما عبر تسهيل إصدار الضمانات البنكية وتوفير آليات تمويل شبيهة بتجارب الصين وتركيا.

إنشاء المجلس التصديري لخدمات المقاولات مؤخرا يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو صياغة استراتيجية وطنية لدعم التوسع، وفقا لما قاله الجمال لإنتربرايز، داعيا إلى تحفيز الاستشاريين المصريين وتقديم دعم تقني لهم، إذ يلعبون دورا حيويا في تسويق المشروعات المصرية والترويج لاستخدام الخامات المحلية. وقد يمثل منصة داعمة لتشجيع الشركات الناشئة والمستقرة بقطاع المقاولات على دخول أسواق أفريقيا والمنطقة بثقة وخبرة، وفقا لما قاله محلب.

الفرصة متاحة للجميع: "ما نحتاجه اليوم هو خلق رأي عام صناعي يدعم الشركات المصرية الراغبة في التوسع.. خدمة المقاولات يمكن تصديرها من شركة صغيرة كما من شركة كبيرة، المهم أن يكون لديها طموح واضح، ونظام مؤسسي، واستعداد لتحمل المخاطر"، وفقا لما قاله محلب لإنتربرايز.


أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:

  • الحكومة تبحث تأجيل زيادة أسعار الكهرباء حتى يناير 2026، وفق ما صرح به مصدر حكوميلإنتربرايز. ويمثل هذا واحدا من ثلاثة سيناريوهات محتملة فيما يتعلق بزيادة أسعار الكهرباء — إذ يتمثل السيناريوهان الآخران في تطبيق الزيادات الشهر المقبل أو تأجيلها حتى سبتمبر.
  • "شهد السوق العقاري المصري خلال الأيام القليلة الماضية تطورات مقلقة تهدد استقرار بيئة الاستثمار العقاري"، بحسب ما ذكرته جمعية رجال الأعمال المصريين في خطاب موجه إلى رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي بشأن القرار الصادر مؤخرا بفرض رسوم جديدة على الأراضي المملوكة للمطورين على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي والساحل الشمالي.
  • أوراسكوم كونستراكشون تتخذ خطوة كبيرة نحو إعادة ترتيب أوراقها في أسواق رأس المال بالمنطقة، بعد أن وافق مجلس إدارتها على نقل إدراجها الرئيسي من بورصة ناسداك دبي إلى سوق أبو ظبي للأوراق المالية.