Posted inعلى الطريق

جوجل: الدبة التي قتلت نفسها؟

G جوجل تقدم فكرة جديدة رائعة قد تقضي على مستقبلها: في اندفاعها المحموم في سباق الذكاء الاصطناعي، ربما تكون جوجل قد وضعت رأسها على المقصلة. ففي الربع الثاني من عام 2024، دمجت الشركة خلاصات الذكاء الاصطناعي (وهي ملخصات تلقائية تجيب بها على استفسارات المستخدمين) في نتائج بحثها، إلا أن المستخدمين أشاروا سريعا إلى أخطاء فادحة، مثل الادعاء بأن باراك أوباما أول رئيس مسلم للولايات المتحدة، أو اقتراح استخدام الغراء لتثبيت الجبن على البيتزا. أجبرت الأخطاء المتكررة — أو ما يعرف بهلوسات الذكاء الاصطناعي – شركة جوجل على التراجع مؤقتا. وفي هذه الأثناء، راحت محركات ناشئة مثل بربليكستي تقتنص الفرصة، مقدمة نتائج تبدو أكثر دقة وإن لم تكن مثالية، وهو ما يضع جوجل أمام خطر خسارة السباق.

**لينكات إنتربرايز فقط تظهر على الإيميل، اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها مصحوبة بكل الروابط**

تحول جوجل لم يكن طوعا، بل تحت ضغط المنافسة المحتدمة. فقد كانت أوبن أيه أي سباقة في تقديم تجربة بحث معززة بالذكاء الاصطناعي، تلتها أنثروبيك بخطى ثابتة. وفي أبريل، سجل متصفح سفاري أول تراجع في أعداد البحث خلال تاريخه، في سابقة فسرها إيدي كيو من أبل بتغير سلوك المستخدمين الذين بدأوا يميلون لنماذج البحث الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي. ولا شك أن هذه أنباء سيئة لشركة تدفع مليارات الدولارات لتظل محرك البحث الافتراضي على أجهزة أبل. لكن جوجل لم ترفع الراية البيضاء، وأعلنت الأسبوع الماضي عن نظام أيه أي مود الجديد – واصفة إياه بأنه أقوى تجربة بحث طورتها حتى الآن. النظام الجديد يقدم إجابات ذكية مدعومة بالخوارزميات، مع خيار التعمق وطرح أسئلة متابعة. خطوة تبدو مألوفة، وتشبه كثيرا ما يقدمه المنافسون.

جوجل تشعل الجدل من جديد: الميزة التي اعتبرتها جوجل مهمة ومؤثرة، استقبلها العالم الرقمي ببرود، بل باتهامات صريحة بالسرقة. نظام أيه أي مود الذي أصبح محور تجربة البحث الجديدة، يقدم ملخصات تفاعلية بديلة عن الروابط التقليدية التي عرفها المستخدمون لعقود. خطوة ظاهرها الابتكار، لكن باطنها يختزل زيارات المواقع، ويقضم من عائداتها، عبر إعادة تدوير محتواها دون إذن أو حتى إشارة للمصدر. وقد دفع ذلك الرئيسة التنفيذية لتحالف وسائل الإعلام الأمريكية دانييل كوفي إلى وصف ذلك بأنه تعريف السرقة بعينه، مؤكدة أن روابط الإحالة هي آخر ما تبقى لمحركات البحث التقليدية، والآن تلتهمه جوجل أيضا.

إذا لم يعجبك هذا التغيير فارحل: جوجل لم تمنح الناشرين حتى حق الرفض قبل الإطلاق، بل طرحت النظام الجديد دون إعلان، في تغييب متعمد للمعلومة، بحسب ما كشفته بلومبرج. أما من يعترض، فليس أمامه سوى الانسحاب الكامل من جوجل – وهي مقامرة خاسرة بالنسبة لأغلب الناشرين الذين يعتمدون على شركة تهيمن على أكثر من 90% من سوق البحث. والأدهى أن جوجل درست بالفعل فكرة إعطاء الخيار للناشرين، لكنها قررت في النهاية تجاهل ذلك. وفي لحظات كتلك، ربما علينا أن نتذكر ما حدث عام 2013، حين حذفت الشركة شعارها الشهير من مدونة السلوك الداخلي: "لا تكن شريرا".

ريديت أول الضحايا: كانت منصة ريديت أول من تذوق مرارة التحول. لم يكن الصعود الصاروخي للمنصة الشهيرة محض صدفة، بل نتيجة واضحة لتفضيل جوجل لمحتواها المعتمد على التجارب الإنسانية الحية في نتائج البحث، بحسب بيزنس إنسايدر. لكن ما إن أعلنت جوجل عن النظام الجديد، حتى انهارت أسهم ريديت بنسبة 5%، في مؤشر قرأه المحللون كأثر مباشر لانقلاب قواعد اللعبة. ويأمل المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي ستيف هوفمان أن تظل مجتمعات ريديت ملاذا بشريا في مواجهة سيطرة الخوارزميات، إلا أن الأرقام تنذر بمصير مختلف.

مقبرة الخوارزميات: في نسخته الجديدة، لا يُظهر محرك البحث المحتوى الأصلي إلا كملحق توثيقي، بينما يسلط الضوء على ملخصات الذكاء الاصطناعي المصاغة بعبارات مختصرة. ولكن السؤال الجوهري هنا هو: من أين ستأتي محركات البحث بغذائها المعرفي إذا حاربت المصادر ذاتها التي تعتمد عليها؟ فإذا فقد الناشرون الزيارات والتأثير والعوائد، فمن يضمن استمرارهم في ضخ المحتوى؟ حينها قد تنسحب المؤسسات من جوجل أو تعجز عن إنتاج محتوى جديد. إذ أن العلاقة بين الناشر والمحرك علاقة قائمة على التبادل، لكن النظام الجديد يقوض هذا التوازن، ويفتح الباب أمام انهيار صامت لا يُسمع فيه سوى صوت الخوارزميات وهي تعيد تدوير ما كتب، دون روح، دون مصدر، دون مستقبل.