واصلت تحويلات المصريين المقيمين بالخارج وتيرتها التصاعدية في بداية هذا العام، إذ ارتفعت بنسبة 83.2% على أساس سنوي لتصل إلى 2.9 مليار دولار في يناير — وهي أعلى تدفقات تُسجل خلال شهر يناير من كل عام على الإطلاق — وفقا للبيانات الصادرة عن البنك المركزي المصري (بي دي إف). تبدو الأرقام إيجابية على المدى الطويل أيضا، فقد شهدت الأشهر السبعة الأولى من العام المالي الحالي زيادة بنسبة 81% على أساس سنوي في التحويلات، لتصل إلى نحو 20 مليار دولار.
انتعاشة مستمرة خلال العام المالي الحالي: من المتوقع أن تتجاوز تحويلات المصريين بالخارج مستويات ما قبل 2022 خلال العام المالي الحالي، ويتوقع بنك مورجان ستانلي تدفقات تصل إلى 32 مليار دولار من المصريين المقيمين في الخارج بنهاية العام المالي الحالي. أكدت الخبيرة الاقتصادية منى بدير على هذه الرؤية، إذ قالت في حديثها إلى إنتربرايز إن "التحويلات ستبقى قوية على الأرجح خلال عام 2025، لا سيما الأشهر الأولى، مدعومة بالتعافي القوي الذي بدأ في النصف الثاني من العام 2024".
"لا يزال المحرك الأساسي وراء هذه الصلابة هو استعادة الثقة في قنوات سعر الصرف الرسمية في مصر، مدعومة بالتزام الحكومة المستمر بنظام سعر صرف مرن"، حسبما قالت بدير، التي أضافت: "لقد أثبت استقرار سياسة سعر الصرف قدرته في امتصاص الصدمات الخارجية وإعادة تنظيم الحوافز لتدفقات التحويلات الرسمية ".
تمثل تحويلات المصريين بالخارج جزءا كبيرا من اقتصاد البلاد، إذ من المتوقع أن تشكل نحو 8% من إجمالي الناتج المحلي الإجماليللبلاد في عام 2024 ارتفاعا من 5% في عام 2023 ومن 6.1% في عام 2022. وعلى مستوى تدفقات الحساب الجاري، من المتوقع أن تمثل تحويلات المصريين بالخارج 35% من إجمالي التدفقات في عام 2024، ارتفاعا من نسبة الـ 25% المسجلة في العام السابق.
قد يشهد هذا العام تجاوز تدفقات المصريين بالخارج ذروة ما وصلت إليه قبل أزمة سعر الصرف الأجنبي. بلغت تحويلات المصريين بالخارج في العام الماضي 22.1 مليار دولار فقط — نظرا إلى أن السوق الموازية هي التي تدفق تحويلات المصريين عبر القنوات غير الرسمية — مقارنة بذورة ما وصلت إليه التحويلات في العام المالي 2021/2020 بواقع 31.4 مليار دولار. بدأت الزيادة المشهودة في تحويلات المصريين عبر القنوات الرسمية تتجلى فقط في مارس 2024، بعد أن قرر المركزي المصري تعويم الجنيه، ما وضع فعليا نهاية للسوق الموازية.
لكن الحرب التجارية قد تؤثر سلبا على تحويلات المصريين بالخارج، نظرا إلى أن تراجع أسعار النفط تؤثر على دول مجلس التعاون الخليجي، التي تمثل أكبر مصدر لهذه التحويلات. "يبدو أن الحرب التجارية وتقلبات أسعار النفط قد تؤثر على تحويلات المصريين العاملين في الخارج، خاصة أن معظم المصريين يعملون في دول الخليج الغنية بالنفط"، حسبما قال الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح لإنتربرايز. فيما قالت بدير: "هذا الأمر مهم بشكل خاص لأن دول الخليج تعيد تقييم وتيرة وتمويل جهودها لتنويع الاقتصاد، مما قد يؤثر على التوظيف في قطاعي النفط وغير النفط "
ومع ذلك، لا يتفق جميع الخبراء مع هذا الرأي، ومن هؤلاء الخبير المصرفي محمد عبد العال، الذي قال في حديثه إلى إنتربرايز إن التوقعات إيجابية على المدى المتوسط والطويل، سواء أكانت هناك تعريفات جمركية أم لا. وجادل عبد العال بأن التوجه الأغلب في العالم يرمي ناحية استقرار أسعار النفط، وتأتي في مقدمة هذا التوجه دول أوبك وأوبك بلس، التي يُتوقع أن "تقلص الإنتاج اليومى بما يتناسب مع الطلب الكلى حفاظا على تماسك السعر". وبالمثل، لا تريد الصين الدخول في مرحلة ركود تستدعى خفض الطلب على النفط، بحسب عبد العال، الذي أضاف أن الإدارة الأمريكية سوف تسعى للحفاظ على أسعار معقولة لبرميل النفط "خضوعا لضغوط شركات استخراج النفط الصخرى الأمريكى الثقيل ذو تكلفة الاستخراج المرتفعة".
ينبغي لنا أن نطمئن بسبب التركيبة الديموغرافية للمصريين العاملين في دول الخليج، بحسب عبد العال. "يتميز العاملون المصريون بدول الخليج وبعض دول العالم بتنوع فئاتهم وشرائح مداخيلهم"، فهناك الفئة ذات الدخل المرتفع التي ستبقى دخولها كما هي، وهناك أيضا الفئة الغالبة من أصحاب المهن الحرفية ومهن الخدمات "ذات الدخول المحدودة في الأصل، ومن الصعب تخفيضها".
وحتى إذا شهدنا تراجعا في تحويلات المصريين، من المتوقع أن تُعوَض عن طريق الزيادات المتوقعة فى أعداد العاملين الجدد — لا سيما في دول الخليج التي لديها خطط تنمية صناعية، وفي المناطق التي كانت من أهم المناطق المستوردة للعاملين والخبراء المصريين، مثل العراق وليبيا وأيضا بعض الدول الأوروبية، خاصة ألمانيا، بحسب عبد العال.
ومع ذلك، يمكن أن تخلق التقلبات في سعر الصرف حالة من عدم اليقين للمصريين في الخارج، مما يثنيهم بشكل أكبر عن تحويل مدخراتهم خوفا من فقدان جزء من قيمتها عند التحويل، بحسب أبو الفتوح.
قد يؤدي خفض سعر الفائدة إلى تعقيد الأمور أيضا، فقد أوضح أبو الفتوح أن خفض أسعار الفائدة يمكن أن يقلل من تحويلات المصريين العاملين في الخارج عبر القنوات الرسمية. وأوضح أنه عندما تنخفض أسعار الفائدة على الودائع بالعملة المحلية، قد يكون لدى المغتربين المصريين حافز أقل لتحويل مدخراتهم إلى الجنيه، وقد يفضلون الاحتفاظ بها بالعملة الأجنبية أو البحث عن فرص استثمارية ذات عوائد أعلى في الخارج أو من خلال قنوات غير رسمية.
"لضمان استمرار تدفقات التحويلات، أرى أنه يجب على الحكومة اتخاذ عدة إجراءات. وأعتقد أنه من الممكن تحسين ثقة المصريين في النظام المصرفي من خلال تطوير الخدمات المصرفية وتسهيل التحويلات عبر البنوك وخفض رسوم التحويلات"، بحسب أبو الفتوح. واقترح أيضا أن "تعزز الحكومة الحوافز للعاملين بالخارج من خلال تقديم عوائد مميزة على التحويلات".