تكتسب جهود دمج أسواق الكهرباء في مختلف أنحاء العالم العربي زخما متزايدا من خلال السوق العربية المشتركة للكهرباء — المبادرة يجري العمل عليها منذ عقود بهدف تسهيل تجارة الطاقة إقليميا وتحسين أمن الطاقة. يحظى المشروع بدعم من جامعة الدول العربية والبنك الدولي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، ويسعى إلى تحقيق فوائد اقتصادية ومالية مشتركة عبر ربط شبكات الطاقة الوطنية وإنشاء سوق إقليمية رسمية للكهرباء.

المبادرة تسعى لحل مشكلة إقليمية: تأتي مساعي إنشاء سوق إقليمية للكهرباء في خضم ضغوط مالية متزايدة وتحديات هيكلية في قطاع الطاقة. اعتاد كثير من البلاد العربية — خاصة مصر — دعم الكهرباء بدرجة كبيرة، ما أدى إلى إرهاق الموازنة العامة وعرقلة إمكانات الاستثمارات الجديدة. وقد أدى انهيار أسعار النفط والجائحة التي تلته إلى تفاقم قيود التمويل، ما تسبب في تأخير مشروعات توليد الطاقة في جميع أنحاء المنطقة.

في الوقت الذي تواجه فيه الحكومات ميزانيات أكثر تشديدا، تقدم مبادرة السوق العربية المشتركة للكهرباء مسارا بديلا — يتمثل في استغلال تجارة الكهرباء بوصفها وسيلة لتحسين كفاءة الشبكة وجذب الاستثمارات الخاصة وضمان أمن الطاقة.

كيف ستعمل؟ الخطط الرامية لإنشاء سوق عربية موحدة للكهرباء تستهدف ربط أنظمة الطاقة في 22 دولة عربية والتنسيق بينها بحلول عام 2038، على أن يبدأ التنفيذ تدريجيا بداية من 2025. من المتوقع أن تعمل السوق استنادا إلى آلية تجارية تتيح تبادل الطاقة والاستفادة من فائض الكهرباء لدى الدول الأعضاء. ويمكن الاستفادة من مشروع الربط الكهربائي الخليجي ليكون نموذج يحتذى به.

أين وصل المشروع؟

زخم يتزايد: أبرمت جامعة الدول العربية اتفاقيات رئيسية لآليات وإطار عمل السوق العربية المشتركة للكهرباء خلال المجلس الوزاري العربي للكهرباء، الذي عقد في مصر ديسمبر الماضي. وفي غضون ذلك، وافق مجلس الوزراء الأسبوع الماضي على مشروع قرار جمهوري بشأن "الاتفاقية العامة لإنشاء السوق العربية المشتركة للكهرباء" و"اتفاقية السوق العربية المشتركة للكهرباء".

المشاركون: قائمة الدول الموقعة على الاتفاقية تضم مصر والإمارات والسعودية والكويت وفلسطين وسوريا وقطر وليبيا والسودان واليمن والمغرب والأردن.

التحول المشهود على مستوى مسار السوق العربية المشتركة للكهرباء يأتي في أعقاب خارطة طريق منظمة أرسيت مبادؤها في مذكرة تفاهم وقعتها 16 دولة عربية في عام 2017. وتخضع المبادرة للتطوير على عدة مراحل، مع التركيز على إنشاء أطر رئيسية للحوكمة وأطر مؤسسية وتنظيمية لتمكين تجارة الكهرباء عبر الحدود، بحسب الموقع الإلكتروني للمبادرة.

الخطة تدعو إلى تنفيذ بطيء.. لكن بوتيرة ثابتة: التجربة الدولية أظهرت أن أسواق الطاقة الإقليمية تتطلب وقتا حتى تنضج، مع تقدم تدريجي نحو مؤسسات إقليمية مستقلة بالكامل. في المراحل الأولية، ستعمل الهيئات الإدارية للمبادرة تحت مظلة جامعة الدول العربية والمنظمات الشريكة قبل أن تتطور في نهاية المطاف إلى كيانات تنظيمية مستقلة. يتمثل الهدف طويل الأجل في إنشاء شبكة كهرباء عربية مترابطة ومتزامنة بالكامل بحلول عام 2038، ما يتيح تجارة سلسة عبر الحدود في مجال الطاقة مع العديد من المشترين والبائعين.

المرحلة التأسيسية انتهت بالفعل: استكملت بالفعل المرحلة التحضيرية، التي ركزت على إنشاء أطر الحوكمة والأطر المؤسسية، ما أرسى أسس تجارة الكهرباء الرسمية على المستوى دون الإقليمي. وأرست هذه المرحلة بدورها الأساس القانوني والتنظيمي لتبادل الكهرباء عبر الحدود، وأنشأت الآليات المؤسسية اللازمة للإشراف على عمليات السوق.

ستمر المبادرة لاحقا بمرحلتين انتقاليتين إضافيتين قبل الوصول إلى هدفها النهائي المتمثل في تحرير سوق الكهرباء بالكامل، وهو ما سيكون مصحوبا بوجود منافسة على مستوى البيع بالجملة والتجزئة في جميع أنحاء العالم العربي. أما المرحلة النهائية — التي يتوقع استكمالها بحلول 2038 — فستشهد تزامنا تاما لشبكات الكهرباء عبر الدول العربية، وسوقا لتوازن الطاق، والأسواق الفورية لبيع الطاقة ليوم مقدما، التي تسمح بتداول الطاقة بسلاسة وتنافسية عبر الحدود.

سوق الكهرباء العربية المشتركة تقدم وفورات كبيرة مقارنة بالاستثمار -

المبادرة تغير قواعد أمن الطاقة وتوفر التكاليف: لا يقتصر دور سوق الكهرباء العربية المشتركة على ربط الشبكات الوطنية فحسب، بل إنها تتيح فرصة اقتصادية هائلة للبلدان المشاركة من خلال توفير مليارات الدولارات من حيث التكلفة وإمكانات الاستثمار. إحدى الدراسات التي أجراها البنك الدولي (بي دي إف)، والتي تحلل مختلف سيناريوهات السياسات والأسواق، توصلت إلى أن تجارة الكهرباء الإقليمية من شأنها أن تقلص الحاجة إلى استثمارات جديدة لتوليد الطاقة، وتخفض تكاليف النظام، وتحسن موارد الطاقة عبر الحدود.

مشاركة الطاقة قد تخفض من الحاجة إلى محطات طاقة غير ضرورية: من خلال استغلال فائض الكهرباء الحالي وتجميع الاحتياطيات، ستنجح المبادرة في تقليص احتياج المنطقة إلى إمكانات جديدة لتوليد الطاقة. وجدت دراسة البنك الدولي أن تجارة الكهرباء الإقليمية قادرة على التخلص من الحاجة إلى نحو 63 جيجاوات من قدرات التوليد الجديدة بحلول عام 2035. يسمح هذا للحكومات بتأجيل الاستثمارات المكلفة في محطات الطاقة الإضافية أو حتى تجنبها كليا، وعوضا عن ذلك ستوجه الموارد نحو تحديث البنية التحتية وتوسيع كفاءة الشبكة.

فرصة توفر مليارات الدولارات: تتمثل واحدة من أكبر مزايا المبادرة في قدرتها على خفض التكلفة الإجمالية للكهرباء في جميع أنحاء المنطقة. دراسة البنك الدولي توصلت إلى أنه حال تحرير أسعار الغاز، ووضع حدود على انبعاثات الكربون، ودخول الربط الإقليمي للشبكات حيز التنفيذ الكامل، فإن التكاليف قد تنخفض بما يصل إلى 196 مليار دولار — وهو انخفاض بنسبة 13% مقارنة بسيناريو آخر لا يتضمن تجارة الكهرباء.فضلا عن ذلك، تشير التقديرات الأكثر تحفظا إلى أن التكامل الإقليمي سيخفض التكاليف بما لا يقل عن 107 مليارات دولار عبر توفير الوقود وتحسين قدرة الإنتاج في المقام الأول. وبالفعل، الوفورات الناتجة عن زيادة مشروعات النقل عبر الحدود من خلال استثمارات بقيمة 7.5 مليار دولار فقط، تصل إلى 35 مليار دولار من التكاليف — ما يعني أن إنفاق دولار واحد على توسيع الشبكة الإقليمية سيحقق وفورات بقيمة 4.7 دولار تقريبا.

المزيد من مصادر الطاقة المتجددة = القليل من الانبعاثات: السوق العربية المشتركة للكهرباء ستضطلع بدور فعال في توسيع نطاق الطاقة المتجددة في جميع أنحاء المنطقة. مع وجود مزيد من الشبكات المترابطة، سيسمح للبلاد المعنية تبادل فائض الطاقة المتجددة، ما يضمن استخداما أكثر استقرارا وكفاءة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وجدت الدراسة أنه بحلول عام 2035، ربما تزيد حصة الطاقة المتجددة من إجمالي الطاقة المدمجة في الشبكة إلى ما بين 14.5-32.7% — بعد أن كانت 1.4% فقط في 2018 — تحت أطر سياسات معينة. في الوقت نفسه، من شأن تجارة الكهرباء أن تساعد في الحد من انبعاثات الكربون عن طريق السماح للاقتصادات المعتمدة على الغاز بالانتقال إلى مصادر طاقة أنظف.

الخطوة التالية.. استثمارات البنية التحتية للنقل عبر الحدود: في حين أن تجارة الكهرباء تحدث بالفعل من خلال اتفاقيات ثنائية، فإن الحصول على الفوائد الاقتصادية الكاملة لتبادل الطاقة الكهربائية ضمن السوق العربية المشتركة سيتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية لنقل الكهرباء. وقد حددت دراسة البنك الدولي 25 مشروعا ذا أولوية، من ضمنها توسعة شبكات الربط وبناء 18.5 جيجاوات من الطاقة الجديدة العابرة للحدود. خمسة من هذه المشروعات التي حددتها دراسة البنك الدولي، تشمل خطوط كهرباء تربط مصر بالسعودية وليبيا والأردن والسودان وقطاع غزة.

التحديات -

عقبات على طريق الاندماج الكامل: صحيح أن مبادرة السوق العربية المشتركة للكهرباء تمثل فرصة اقتصادية كبيرة، لكن المنطقة تواجه عقبات كبيرة قبل أن تتمكن من تحقيق فوائد تجارة الكهرباء عبر الحدود بشكل كامل. وبرغم السعة الحالية للربط، لا يجري تداول سوى 2% فقط من الكهرباء المنتجة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حاليا — وهو تناقض صارخ مع المكاسب المحتملة على مستوى الوفورات والكفاءة التي تستطيع مبادرة الربط أن تجلبها. وما زال عديد من الحواجز الهيكلية والتنظيمية والمالية يقيد حجم التجارة ويبطئ التقدم.

نماذج تسعير غير تنافسية تعيق التجارة: يمثل عدم وجود إطار موحد للتسعير أحد أكبر العوائق أمام توسيع تجارة الكهرباء. لا تزال دول عربية عدة — من ضمنها مصر — تدعم إنتاج الكهرباء بشكل كبير، ما يشوه أسعار السوق التي تجعل تجارة الكهرباء الإقليمية غير مجدية ماليا. نتيجة لذلك، فإن معظم عمليات تبادل الكهرباء عبر الحدود في المنطقة تكون تجارة عينية — أي يجري تبادل الكهرباء مقابل الكهرباء وليس نقدا، وبشكل رئيسي في حالات الطوارئ. من أجل حل هذه المشكلة، ستحتاج البلاد إلى التخلص التدريجي من الدعم المحلي للوقود واعتماد نموذج تسعير تجاري لتجارة الكهرباء، بحسب البنك الدولي. ولعل الحل المؤقت يتمثل في تطبيق الأسعار الدولية للوقود على المعاملات عبر الحدود، حتى مع استمرار دعم الاستهلاك المحلي. ولكن كي تنجح المبادرة في إطلاق إمكاناتها بالكامل، ينبغي للحكومات أن تتحول سريعا نحو آليات التسعير القائمة على السوق.

تمويل فجوة البنية التحتية: ثمة تحد رئيسي آخر يعترض طريق المبادرة، ويتمثل في تمويل الاستثمارات الضخمة لتحسين وإضافة بنية تحتية جديدة لنقل الكهرباء عبر الحدود. برغم الوجود الفعلي لبعض شبكات الربط، لا يزال عديد منها غير مستغل استغلالا كافيا — إذ تعمل بنسبة 5-7% فقط من طاقتها في المتوسط. ومن الأهمية بمكان توسيع شبكات النقل وتحديثها من أجل ضمان وجود نظام موثوق وفعال لتجارة الكهرباء، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة.

ضعف الأطر المؤسسية والتنظيمية: يتوقف نجاح الربط الكهربائي بين الدول العربية على وجود مؤسسات إقليمية قوية قادرة على تنسيق السياسات ووضع لوائح تجارية واضحة وإنفاذ المعايير الفنية. ومع ذلك، لا يزال الافتقار إلى اللوائح التنظيمية المنسقة يمثل تحديا كبيرا. فكل بلد يعمل في ظل هيكل السوق والإطار التنظيمي الخاص به، ما يجعل من الصعب إنشاء آلية موحدة لتجارة الكهرباء.


أبرز أخبار البنية التحتية في أسبوع:

  • الشمس للمقاولات تخطط لتنفيذ مشروعات بقيمة 120 مليون دولار في العراق، من بين بينها إنشاء مستشفى بسعة 100 سرير ومجمع سكني يضم ألف وحدة سكنية.
  • سي بورد السعودية تدشن توسعات جديدة في مصر بـ 40 مليون دولار: افتتحت شركة سي بورد (سينوبات سابقا) — إحدى شركات مجموعة " بيم " السعودية لتصنيع مواد البناء — توسعة مصنع لتصنيع الألواح الأسمنتية والحوائط الأسمنتية الجاهزة ضمن نطاق المطور الصناعي "شركة التنمية الرئيسية" باستثمارات تبلغ 40 مليون دولار.