? رحلة عبر الزمن بين أروقة القاهرة: للوهلة الأولى قد تبدو القاهرة مدينة فوضوية لمن لا يعرفها جيدا، ولكن الحقيقة أن لهذه المدينة سحرها الخاص الأكثر تعقيدا، والذي يتجلى في كل شيء خاصة المعمار الذي يحكي قصصا لم ينسها الزمان. مؤخرا، شهدت القاهرة تحولا دراميا في طابعها المعماري مع دخول مفهوم الكومباوند إلى المشهد العقاري منتصف التسعينات.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

قبل هجرة الطبقات المتوسطة والعليا إلى المدن الجديدة في أطراف المدينة، كانت القاهرة أقرب إلى المدينة المتكاملة. السكان – على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية والاقتصادية – كانوا يتقاسمون مساحات مشتركة غير محددة ببوابات أو فحوصات هوية أو "كيو أر كود". الدخول إلى المباني كان يتطلب المرور من خلال البواب فقط، الذي كان في أسوأ حالاته سيطرح عليك سؤالا أو أكثر بدافع الفضول. هذه المساحات السكنية تعرف باسم مخططات المدينة، وفق الأستاذ المساعد للهندسة المعمارية والتصميم الحضري لدى الجامعة الأمريكية بالقاهرة مؤمن الحسيني.

جذور التخطيط الحضري في القاهرة: وجد مفهوم التخطيط الحضري – والذي ظهر لأول مرة ضمن القانون البريطاني عام 1906 – طريقه إلى القاهرة خلال الفترة الاستعمارية. فقد شجع قانون تخطيط المدن لعام 1909 السلطات المحلية على تحديد الأراضي المخصصة للتطوير، وخاصة في الضواحي، وتنظيم تخطيطها وكثافتها مع الاحتفاظ بمساحات مناسبة لمد الطرق السريعة.

التطور الحضري للقاهرة يمكن تتبعه عبر الحقب التاريخية، وعلى رأسها عصر النهضة الإسلامي، الذي شهد اشتراك العباسيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك في تأسيس العاصمة المصرية وتطويرها، بما يستوعب النمو السكاني المتزايد والاحتياجات العسكرية. وتعد الفترة التي تمتد بين القرنين التاسع والخامس عشر حجر الأساس لما يعرف الآن بالقاهرة التاريخية.

التأثير الاستعماري في القرنين 19 و20: تنافست القوى الاستعمارية البريطانية والفرنسية للسيطرة على المشهد الحضري في القاهرة وتشكيله من خلال استقدام نماذج المعمار الأوروبي الحديثة، والتي خلقت تناقضا صارخا مع المساكن غير الرسمية (العشوائيات) والأحياء المكتظة بالسكان في القاهرة القديمة، لتوجه حصرا ناحية استيعاب سكان الطبقتين المتوسطة والعليا.

الاستعمار البريطاني جلب نماذج التخطيط الحضري المتأثرة بعصر الثورة الصناعية، وهو ما غير البنية التحتية للقاهرة تماما. فقد أدخلالمهندسون البريطانيون الطرق الواسعة على الطراز الأوروبي، واعتمدوا مبادئ معينة لتخطيط المدن بما يوسع بصمة العاصمة إلى خارج حدودها.

أما التأثير الفرنسي فقد انعكس على عمارة القاهرة من خلال أسلوب "البوزار" المعروف باسم الفنون الجميلة، وهو ما يتجلىبوضوح في معالم بارزة مثل دار الأوبرا المصرية وعبر مباني عدة أحياء مثل الزمالك. أما مصر الجديدة أو هليوبوليس – التي أسسها رجل الصناعة البلجيكي البارون إدوارد إمبان – فقد استلهمت مبادئ التخطيط الفرنسية من البداية، ما جعلها تعكس جماليات باريسية إلى جانب بنية اجتماعية مستوحاة من التخطيط الحضري في المستعمرات الفرنسية.

حركة مدينة الحدائق: كان لاتجاه التخطيط الشجري – الذي أسسه المخطط العمراني البريطاني إبنيزر هوارد في القرن التاسع عشر – دور جوهري في تشكيل بعض أحياء القاهرة، مثل جاردن سيتي والزمالك التي تمتزج فيها المساحات الخضراء الرحبة بالتخطيط الحضري المتطور. وقد لعب المهندس المعماري خوسيه لامبا دورا أساسيا في تطوير هذه المناطق تحت إشراف المطور والممول السوري اللبناني يوسف بك قطاوي، وذلك بعد أن تعاقدت شركة النيل للأراضي الزراعية – وهي تحالف أوروبي يضم مستثمرين من أصول سورية ولبنانية – مع لامبا.

باريس على النيل: يبقى وسط القاهرة، أو ما يعرف باسم القاهرة الخديوية، الشاهد الأبرز على التأثير الأوروبي في المدينة. ففي القرن التاسع عشر، كان الخديوي إسماعيل يسعى إلى تحويل القاهرة إلى "باريس على ضفاف النيل"، ما أدى إلى تبنيه العمارة الهوسمانية (نسبة إلى البارون الفرنسي جورج أوجين هوسمان). أدى هذا التصور إلى تصميم وسط القاهرة بحيث يتفرع بانتظام من ميدان التحرير، مع شوارع فسيحة ونوافذ طويلة وشرفات من الحديد المشغول وكرانيش مزخرفة.

إرث الاحتلال: لا تزال القاهرة الحديثة تعكس إرث الاستعمار البريطاني والفرنسي، بما في ذلك علامات بارزة مثل مبنى محطة سكة حديد رمسيس وميدان التحرير وقصر عابدين، بالإضافة إلى العديد من المباني الإدارية التي تجسد النفوذ الأوروبي في ملامح المدينة. ورغم تداخل بعض عناصر العمارة الإسلامية التقليدية مع هذه التصاميم، ما زال الطابع الأوروبي واضحا وشاهدا على الفترات الاستعمارية.

الفصل الاجتماعي من موروثات العمارة الاستعمارية ذات التأثير الكبير، والتي تركت بصمتها العميقة على التطور العمراني في القاهرة من خلال ترسيخ التقسيمات المكانية بناء على الطبقة الاجتماعية والعرق والجنسية. استقر الأجانب خلال الحقبة الاستعمارية في المناطق المركزية مثل الزمالك والمعادي – والأخيرة أسسها المصرفي البريطاني إرنست كاسل عام 1907، بينما سكن المصريون من الطبقة العاملة في مناطق مثل شبرا والقاهرة القديمة. وقد أرست هذه التفرقة نمطا استمر لعقود، وكرس انقسامات اجتماعية لا تزال ملامحها واضحة في نسيج العاصمة اليوم.

بعد ثورة 1952، ظهرت أحياء جديدة ذات تصميم صناعي ضمن خطط الحكومة لإعادة تشكيل المشهد العمراني. حي المهندسين مثلا صمم خصيصا لاستقطاب المهندسين، فيما استهدفت مدينة نصر عائلات الطبقة المتوسطة الساعية لبريق العيش في بيئات حضرية حديثة. وتعد مدينة نصر مثالا نموذجيا على " الحداثة السلطوية " التي طبعت تلك الحقبة، فشوارعها العريضة مصممة لتناسب العروض العسكرية أثناء الاحتفالات الرسمية، حسبما أخبرنا الحسيني.

تحولات التخطيط العمراني في العصر الحديث: شهدت المخططات الحضرية في الآونة الأخيرة تحولا كبيرا نحو التصميمات متعددة الاستخدامات، والتي تتداخل فيها المساحات السكنية مع الأنشطة التجارية، وهو ما أدى إلى انتشار المتاجر والمطاعم والمقاهي. وفي حين أن هذا التطور أضفى حيوية على العديد من الأحياء، إلا أنه دفع بعض السكان ميسوري الحال إلى البحث عن بدائل في أطراف العاصمة، مثل القاهرة الجديدة والسادس من أكتوبر، هربا من الزحام والتكدس.

بين القديم والحديث: تتمتع الأحياء القديمة متعددة الاستخدامات بخصائص فريدة تفتقدها المشروعات العمرانية الحديثة، إذ توفر بيئة قابلة للمشي وترفع جودة الحياة وتضم تنوعا اجتماعيا واقتصاديا، وهي عوامل أسهمت في خلق مساحات عامة حقيقية أقرب إلى مفهوم الساحة المركزية في المدن التقليدية، وفق ما ذكره الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة تكوين للتطوير العمراني المجتمعي كريم إبراهيم لإنتربرايز.

غير أن هذه السمات التي كانت متأصلة في النسيج العمراني التقليدي تلاشت إلى حد كبير منذ منتصف القرن العشرين مع التحول نحو التخطيط الحداثي، مما يمنح قيمة استثنائية لأحياء مثل الزمالك والمعادي وجاردن سيتي ووسط البلد اليوم. لكن لا ينبغي إرجاع الفضل في هذا النموذج إلى العمارة الاستعمارية وحدها، فمصر كانت تضم مدنا تاريخية تميزت بنفس هذه الخصائص قبل أن تفرض الحداثة رؤيتها المختلفة، بحسب إبراهيم.

يبدو أن الحلم بقاهرة أقل انقساما أصبح بعيد المنال، في ظل استمرار التوسع العمراني نحو أطراف المدينة. فالمشروعات الجديدة – مثل القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية في الشرق والسادس من أكتوبر في الغرب – مستمرة في مط العاصمة إلى الخارج. هذه المدن الجديدة تعكس نمطا معماريا مستوحى من التصاميم الغربية وتستهدف الطبقة فوق المتوسطة بالأساس، بينما يتركز سكان الطبقة العاملة في المناطق القديمة وسط المدينة أو في الأحياء العشوائية. وقد أثارت هذه الاتجاهات العمرانية نقاشا مستمرا بشأن ضرورة الحفاظ على الطابع المعماري الاستعماري أو العودة بدلا من ذلك إلى مبادئ التصميم المحلية.

المجتمعات المسورة: بدأت موجة الانتقال إلى المجتمعات الجديدة مدفوعة ببحث الأغنياء عن الأمان والانفصال عن الفئات الأقل ثراء. أما الآن، فقد تحول الدافع الرئيسي بعيدا عن العزلة الطبقية إلى السعي نحو التمتع بخدمات أفضل، بحسب إبراهيم، بما في ذلك إدارة القمامة وتنظيم المرور والتخطيط العمراني وجراجات السيارات، وهي تحديات تعاني منها العديد من المناطق الحضرية التقليدية في القاهرة.

نحو تخطيط حضري أكثر توازنا: الحل ليس في مجرد استنساخ الأحياء التاريخية، بل إعادة النظر في الجوانب الناجحة من التخطيط العمراني في القرن العشرين وتكييفها لتلبية متطلبات القرن الحادي والعشرين، بحسب إبراهيم، الذي يؤكد أن استلهام الدروس من نجاحات الماضي يمكن أن يؤدي إلى رؤية أكثر توازنا لمستقبل المدينة.

هل هناك تعريف واضح للعمارة المصرية؟ يمكن وصف المشهد العمراني المصري بأنه "نسيج اجتماعي متداخل مع البنية المادية"، وذلك بناء على التفاعل المعقد بين الهوية المجتمعية والتخطيط العمراني، وفق الحسيني. لم يعرف التاريخ المصري نقاء ثقافيا أو معماريا مطلقا، حسبما يؤكد الحسيني، مشيرا إلى أن الهوية المعمارية والثقافية في مصر تتسم بالتعددية والانفتاح نتيجة تأثرها بالموجات العالمية عبر العصور.