? حلم الراحة: في عالمنا المعاصر الذي يحتفي بالحركة ويضغط الجميع في سباق دائم، تبدو الراحة مجرد فعل هامشي لا يمكن الاستمتاع به إلا بعد الانتهاء من كل الأعباء والمسؤوليات التي تقع على عاتقنا تماما. ولكن المشكلة أننا لو انتظرنا طويلا لننعم ببعض الراحة، فقد ينتهي بنا الأمر منهكين تماما وغير قادرين حتى على الاستمتاع بها.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
المشكلة عميقة: يتعلم الأطفال منذ الصغر أن الراحة بمثابة مكافأة يجب استحقاقها، فاللعب موعده بعد إنهاء الواجبات المدرسية، ومشاهدة التلفزيون غير متاحة إلا عقب الانتهاء من ترتيب الغرفة، حسبما تقول المعالجة النفسية إسراء ناصر في كتابها Toxic Productivity. وبهذه الطريقة يرتبط لدينا مفهوم الراحة بالقدرة على الإنجاز، ما يشعرنا حين نكبر بأنها رفاهية تتعلق بالكسل وعدم الإنتاجية وليست ضرورة للعقل والجسد.
هناك ضغوط مستمرة تدفعنا لتعظيم الاستفادة من أوقات راحتنا، وهذه الضغوط تجعل فترات الراحة تلقائيا أقل إمتاعا – خاصة عندما نرهق أنفسنا تماما قبل الحصول عليها، حسبما ترى الطبيبة النفسية السريرية وأستاذة علم النفس بجامعة هارفارد ناتالي داتيلو رايان. ما يحدث أن عقولنا تتأقلم مع حالة التوتر المستمرة التي تظل حبيسة لها، والتي تشترط عليها أن تنجز الكثير من العمل كي تتمتع ببعض الراحة، ما يجعلها أسيرة لهذه الحالة في مختلف الأوقات. فقد يجد المرء أنشطة محببة للترفيه عن نفسه، ولكنه لا يملك الطاقة الكافية للاستمتاع بها.
النمط ذاته يؤثر على الوقت الذي يقضيه الفرد مع أحبائه، فالأنشطة الحميمية العفوية اندثرت وحلت محلها اللقاءات القصيرة المحددة سلفا. قلت الدردشات الصادقة في منازل الأصدقاء وحول موائد الطعام، وصارت التفاعلات الاجتماعية تُدفع دفعا داخل جداول الأعمال المزدحمة قبلها بأسابيع، ما غير تماما من سمات التواصل الإنساني.
لهذا التغيير أسباب: بعد أن كانت المساحات مفتوحة أمام الجميع للالتقاء وقضاء أوقات معا، أخذت هذه المساحة في التلاشي رويدا رويدا بفضل الهواتف الذكية وأنماط الحياة المتسارعة والفردانية الشرسة وغير ذلك من التحولات، وفقا لأخصائية علم النفس العصبي سنام حفيظ. كما أن الضغوط المرتبط بتحفيز الإنتاجية شكلت ثقافة مختلفة تعمل حسابا لكل ثانية من الوقت، وتنظر إلى أي فعل غير مجز في مجال العمل والدراسة باعتباره مضيعة للوقت.
الحل في تغيير العقلية: بدلا من تعليق آمالنا على فترات محددة نقتطعها من اليوم، يمكن الاعتماد على ممارسة أفعال يومية بسيطة تجلب شعور الراحة والاستمتاع. وفي هذا الصدد تقترح داتيلو رايان تغيير الروتين اليومي من خلال بضعة أفعال صغيرة، مثل ممارسة التمارين الرياضية والتنفس وضبط النوم، وكذلك التواصل العشوائي مع الآخرين والشعور بالتقدير للأشياء الصغيرة التي نمتلكها. هذه الأفعال تدرب الفرد على قضاء لحظات قليلة ذات معنى مع نفسه وأحبائه، من الدردشة مع صديق إلى احتساء مشروب على مهل وحتى التمشية الهادئة دون مشتتات، بشكل يمنحه شعورا بالراحة بعيدا عن العمل والدراسة.
كن واقعيا: يمكن زيادة الشعور بالاستمتاع والاسترخاء في حالة تحديد وقت معين للراحة وتخصيصه للانخراط في نشاط "واقعي" يمكن أداؤه دون صعوبة، وذلك بدلا من إعداد جدول مزدحم بالأنشطة خلال العطلات. عند التخطيط لإجازة من العمل، ينصح بتفويض مهامك في العمل قبل فترة كافية من بدء العطلة، وكذلك التخطيط للعودة إلى العمل بشكل تدريجي وليس من الشاطئ إلى المكتب مباشرة. يفضل أيضا اختيار مكان الإجازة - سواء كانت مع العائلة أو الأصدقاء - بعيدا عن تغطية المحمول، أو تخصيص أوقات معينة للتواصل مع بعضكم البعض دون هواتف أو إنترنت. فقد أظهرت الأبحاث أن وجود هاتفك المحمول في مرمى البصر حتى لو لا تستخدمه يقلل من جودة الحوار والتواصل مع الآخرين.
تغيير المفاهيم الخاطئة هو الجزء الأهم، فالراحة ليست مكافأة أو هدفا بحد ذاته نسعى إليه بالتخطيط الدؤوب، بل ضرورة إنسانية تستحق مكانتها الثابتة في روتين حياتنا اليومية. وإن كنت شخصا منظما بطبعك، فقد تحتاج وقتا للاعتياد على ممارسة أفعال الراحة العفوية دون تخطيط في البداية، لكنها بالتأكيد عادة تستحق التدريب.
القلق والشعور بالذنب أعراض جانبية: قد يشعر البعض بالقلق كونهم أقل إنتاجية بالمعايير المفروضة عليهم، وهو أمر طبيعي للغاية. صحيح أن الشعور بالضغوط الناتجة عن عدم الإنجاز أو الخوف من تفويت الفرص تجربة ثقيلة، لكن ينبغي على الفرد أن يسمح لنفسه بخوضها، على أن يواجهها ولا يستسلم لها في النهاية، وفق ما كتبه المؤلف والمدرب التنفيذي بيتر بريجمان في هارفارد بزنس ريفيو.
اترك زمام الأمور قليلا: المبالغة في التركيز على اللحظة الحاضرة - أو ما يسمى اليقظة الذهنية - يعتبر أحد أشكال الراحة المجدولة أو الآلية، لأنه يتطلب مزيدا من التحكم والضغط والتطلب، طبقا لبريجمان. بينما حين نتخلى قليلا عن الحاجة إلى السيطرة أو التركيز على اللحظة الحالية، نتخلى بالتبعية عن حمل التفكير الزائد ونبدأ في التمهل والتأني، ما يخفف الضغوط الملقاة علينا ويمنحنا مساحة أكبر للاسترخاء والتركيز على مشاعرنا.
الفكرة الأساسية تكمن في التعامل مع الأنشطة وأوقات الراحة بمزيد من المرونة، دون وضع توقعات أو أهداف صارمة تضيف أعباء جديدة. لا يهم ما نفعله إن كان يمنحنا في النهاية فرصة قضاء وقت محبب مع المقربين إلينا، وبالتالي تتحول هذه اللحظات التي نشعر فيها بقيمة حقيقية من مهام علينا تخطيطها بعناية إلى فترات راحة مستحقة ومتكررة، تشبع ما بداخلنا من حاجة إلى تواصل إنساني حقيقي.