مع توغل وسائل التواصل الاجتماعي في حياتنا، أصبح كثير من الناس يميلون إلى تطوير علاقاتشبهاجتماعية، وهي علاقة أحادية الجانب يكوّن فيها الشخص رابطا أو شعورا بالألفة مع آخر لا يعرفه فعليا، وغالبا ما يكون شخصية مشهورة أو شخصية افتراضية عبر الإنترنت. ويمكن لهذه الروابط أن تتطور إلى مشاعر عاطفية حقيقية للغاية، وفي بعض الحالات المتطرفة قد يقتنع الشخص بأن العلاقة متبادلة رغم غياب أي تفاعل حقيقي.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

ليست ظاهرة جديدة: رغم أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت هذه الظاهرة أكثر شيوعا، تعود صياغة هذا المصطلح إلى عام 1956 على يد اثنين من علماء النفس هما دونالد هورتون وريتشارد وول، اللذين لاحظا أن الناس يشعرون بـ "وهم الألفة" مع الشخصيات التي يشاهدونها على التلفزيون. قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، كان الناس يتحدثون كثيرا عن إعجابهم بنجوم السينما أو الرياضيين أو الشخصيات العامة التي يشعرون بارتباط معها، حسبما يرى المعالج السلوكي المعرفي آدم بورلاند. لكن ذلك لم يكن مجرد إعجاب عابر، لأن العلاقات شبه الاجتماعية "تتعلق بتكوين ارتباط قوي وإحساس عميق بالصلة مع تلك الشخصيات".

حالة شائعة: هذه التجربة ليست أمرا نادر الحدوث ومعظمنا خاضها من قبل، كما أنها ليست بالضرورة مسألة تثير القلق. فعلى سبيل المثال، قد تشعر بحزن عميق عند وفاة شخصيتك المفضلة في أحد المسلسلات التلفزيونية، أو تنتابك ثقة عمياء في مذيع أخبار مألوف، أو تشتري منتجات يوصي بها بعض المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي بدافع الثقة. وذلك لأن العلاقات شبه الاجتماعية لها درجات متفاوتة وليست دائما بالحدة التي نتصورها.

المشاهير هم المستفيد الأكبر من هذه الظاهرة: تطوير جماهير غفيرة لعلاقات شبه اجتماعية يعني جني الشخصيات العامة أرباحا طائلة، فتلك القواعد الجماهيرية تغذي استراتيجيات الأعمال والعلاقات العامة التي تشكل جزءا كبيرا من إيرادات المشاهير. فعلى سبيل المثال، من المتوقع أن تجني تايلور سويفت - التي يبلغ عدد مستمعي أغانيها على سبوتيفاي 94.4 مليون شخص شهريا - 100 مليون دولار من المنصة هذا العام، لكنها ستحقق ما يقرب من ملياري دولار من الجولات الموسيقية وبيع منتجات الحفلات.

لكن لماذا يحدث ذلك؟ هناك عدد من النظريات النفسية التي تفسر تطور العلاقات شبه الاجتماعية. نظرية الإدراك الاجتماعي مثلا تحلل كيفية انجذاب الشخص وتعلمه من السلوكيات التي يلاحظها. وفي هذه الحالة، قد يصبح الفرد معجبا بشخصية مشهورة تمتلك سمات مشابهة لسماته أو صفات تعجبه بشكل عام. وبسبب هذا الارتباط العاطفي القائم على التشابه، غالبا ما ينغمس معجبو الشخصيات العامة في هوية جماعية، وقد يغيرون سماتهم أو معتقداتهم لتتماشى مع تفضيلات الشخصية المشهورة. وبسبب التفاعل المتكرر، يصبح من الصعب على الشخصيات العامة الانفصال عن القواعد الجماهيرية.

نظرية التعلق تقدم تفسيرا آخر: تشير هذه النظرية إلى أن الطريقة التي يتعلم بها الفرد مفهوم العلاقات في مرحلة الطفولة تؤثر بشكل كبير على كيفية إدراكه للعلاقات طوال حياته. فالأشخاص الذين يعانون من أنماطتعلقغير آمنة يجدون الراحة في هذه العلاقات أحادية الجانب أو شبه الاجتماعية التي تنتفي فيها إمكانية الرفض أصلا، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة لتطوير مثل هذه الروابط.

الأمر ليس سلبيا بالضرورة: هذه العلاقات يمكن أن تمنح شعورا بالرفقة لمن يعانون الوحدة، وبطرق متعددة. فالعلاقات شبه الاجتماعية بإمكانها أن تسهم في إنشاء مجتمعات تتألف من أفراد يشاركون اهتمامات وأفكارا متشابهة، وقد تؤدي إلى تغييرات إيجابية في نمط الحياة مثل البدء في ممارسة الرياضة بعد مشاهدة روتين تمارين أحد المشاهير، وفق دراسة حديثة.

... لكنه ليس إيجابيا بشكل تام كذلك: استعداد الأشخاص لتصديق كل ما يسمعونه من الشخصية التي طوروا نحوها تعلقا شبه اجتماعي يمكن أن يتسبب في مشاكل جمة، لأنهم لا يعرفون سوى جانبا محدودا من حياة المشاهير (وهو عادة الجانب المرتبط بالرعاية والنواحي التجارية)، ما يمكن أن يؤدي إلى انتشار المعلومات المضللة. كما أن هذه العلاقات قد تخرج عن السيطرة وتعطل العلاقات الحقيقية التي يعيشها المعجبون في حياتهم اليومية، أو تقودهم إلى تطرفات سلوكية أكثر خطورة مثل الهوس أو المطاردة.

لحظة الانفصال: أحد الجوانب المظلمة في العلاقات شبه الاجتماعية هو ما يحدث عند انتهائها، مثل وفاة شخصية مشهورة أو خيالية. تكمن المشكلة في أن ذلك الانفصال يسبب مشاعر حزن حقيقية للطرف الأول، لكن التعامل معها يكون أصعب بكثير من حالات الفقد والانفصال الطبيعية، وذلك لأنها تسبب خسارة لا يمكن الاعتراف بها علنا لأن المجتمع لا يتقبلها، بحسب مستشار الصحة العقلية كينيث جيه دوكا. وتعد وفاة المغني الإنجليزي ليام باين عضو فرقة وان دايركشن من الحالات التي تجسد ذلك الحداد العام، إذ شارك آلاف المعجبين حزنهم علنا على رحيله - سواء بشكل شخصي خارج الفندق الذي توفي فيه أو عبر الإنترنت - رغم أنهم لم يعرفوه معرفة شخصية يوما ما.

لا بد من فهم العلاقات شبه الاجتماعية لمعرفة الطرق المعقدة التي تشكل بها وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة روابطنا العاطفية. هذه الروابط الأحادية يمكن أن توفر الراحة والإحساس بالانتماء، إلا أنها تحمل أيضا مخاطر مثل نشر المعلومات المضللة والهوس والانفصال العاطفي عن العلاقات الواقعية.

العلامات: