? كنا أحرارا.. ثم جاءت الخوارزميات: في بداية عصر وسائل التواصل الاجتماعي كنا نختار بأنفسنا المحتوى الذي نرغب في الاطلاع عليه، كما كنا نبحث بنشاط عن الصفحات والمجموعات التي تتوافق مع اهتماماتنا وهواياتنا. لكن اليوم تغيرت الأمور وأصبحت الخوارزميات بمثابة المصمم الخفي لشخصياتنا الرقمية، فهي تشكل تفضيلات المستخدمين وتوجهاتهم على نحو يتجاوز فكرة الترشيحات والاقتراحات.
**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**
من خلال تحليل سجل التصفح ومختلف التفاعلات، تستطيع الخوارزميات معرفة رغباتنا والتنبؤ بتوجهنا نحو اهتمامات جديدة، وغالبا ما يحدث ذلك بسبب استغلال الشركات لتلك التكنولوجيا لأغراض تسويقية. والآن بعد سنوات من استخدام الشبكة العنكبوتية، يبدو أنه بات من الصعب التمييز بين ما نريده حقا وما يعد مجرد انعكاس لتأثير هذه الخوارزميات على اختياراتنا.
أثارت معركة قضائية بين اثنتين من المؤثرات على منصات التواصل الاجتماعي أسئلة جوهرية بخصوص طبيعة الوجود الرقمي والرأسمالية وصناعة المحتوى في عصر الخوارزميات، وذلك بعد أن رفعت سيدني نيكول جيفورد دعوى قضائية ضد أليسا شيل بتهمة انتهاك حقوق الملكية الفكرية. جيفورد إنفلونسر بارزة تروج لمنتجات شركة أمازون عبر السوشيال ميديا مقابل نسبة من الأرباح على روابط الإحالة، وتتميز بأسلوب معروف باسم Clean Girl Aesthetic، والذي يتجلى في محتواها وصورها الشخصية وحتى ديكور منزلها، وقد رفعت الدعوى القضائية ضد شيل - الإنفلونسر التي تعمل مع أمازون أيضا - بتهمة سرقة أسلوبها.
تدافع شيل عن نفسها بأن الخوارزميات هي المسؤولة عن تشكيل هذا الأسلوب، وأن هناك الآلاف من المؤثرين الذين يتشاركون نفس المظهر ويتحدثون بنفس الطريقة ويروجون لنفس المنتجات. كما أن نمط الحياة الذي يتبعه أي شخص قد يعكس التريندات السائدة أكثر من الخيارات الشخصية، وينطبق ذلك مثلا على وشم باقة الورود الذي يظهر على ذراع الفتاتين والمتوفر على منصات مشهورة مثل بنترست. ورغم شعور العديد من المؤثرين بالضغط لتكييف أسلوب حياتهم مع الاتجاهات السائدة، تصر جيفورد على أن شيل قد انتهكت أسلوبها الفريد. والمفارقة هنا أن شيل سبق وحظرت جيفورد منذ سنوات، لذا فغالبا لم يكن لديها إمكانية الوصول إلى منشوراتها.
هل هي مجرد صدفة قائمة على الخوارزميات؟ ربما، إذ تعمل منصات التواصل الاجتماعي دائما على دفع المستخدمين للمشاركة والانخراط في عوالمها، وتحفز المحتوى الشائع والتريندات لتصل إلى جمهور أكبر. ويؤدي هذا إلى إنتاج محتوى متقارب من حيث الأسلوب، وليس من المستبعد أن يتسبب في تكوين فقاعة لها معايير محددة.
تأثير الخوارزميات على سلوك البشر: لا تقتصر هذه التكنولوجيا على عكس تفضيلات المستخدمين، بل تركز على تشكيلها بفعالية ونشاط، لتخلق حلقة مفرغة من التفضيلات المتوهمة على نحو يعيد تعريف التجربة الإنسانية نفسها. والنتيجة هي بيئة معلوماتية شديدة التخصص تعمل على تعزيز الأفكار والتوجهات القائمة، في نظام أشبه ما يكون بالاحتواء الفكري.
إعادة إنتاج السائد: في يوليو الماضي، أجرت صحيفة الجارديان تجربة للتحقق من نوع المحتوى الذي تقدمه خوارزميات منصات ميتا (فيسبوك وإنستجرام) للمستخدمين، وذلك من خلال هاتف أيفون جديد وخال تماما من أي بيانات تخص المستخدم - عدا أنه ذكر يبلغ من العمر 24 عاما- وكانت النتيجة سيلا جارفا من المحتوى الجنسي والمسيء للمرأة. ما حدث لم يكن صدفة خوارزمية أو خطأ غير مقصود، بل إن الخوارزميات تعمل على إعادة إنتاج الثقافة الرائجة والتحيزات المجتمعية الكامنة وتضخيمها، وكأنها آلية دعائية تروج للأنظمة الأيديولوجية وليست وسيلة مساعدة محايدة.
مفارقة تكنولوجية عميقة: يكشف كل ذلك عن تناقض صارخ، فالخوارزميات التي تمدنا بترشيحات المحتوى كل يوم تحمل صفتي التعقيد الشديد والبدائية الحادة في الوقت نفسه. وهذا التناقض هو حصيلة التفاعل المعقد بين أنظمة تعلم الآلة المتقدمة وتفضيلات البشر وتحيزاتهم. الخوارزمية لا تترفع عن الميول الإنسانية بكل أشكالها (سواء كانت أيديولوجية أو جمالية)، بل تعمل على تضخيمها بدقة متناهية، مع العلم بأن هذه ميزة مدروسة بعناية وليست خللا فيها.
مرحبا بكم في نظام الرغبة المصطنعة: لقد ولى زمن الإعلانات المدفوعة والمنشورات المستهدفة، وصارت الشركات الآن تستخدم المؤثرين لخلق ما يبدو وكأنه اهتمام عفوي أو شخصي، وبهذا تخلع الإعلانات عنها عباءتها المعروفة. المشكلة أن هذا النوع من الإعلانات غير قابل للكشف، فحتى بداية العام الجاري لم تكن لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية تلزم المؤثرين بالكشف عن الشراكات المدفوعة مع العلامات التجارية (ولا يزال إنفاذ هذا القانون صعبا حتى الآن)، وهي ثغرة تستغلها الشركات لخلق تريندات "طبيعة".
لم تعد العلامات التجارية تعتمد على الإعلانات المباشرة، وبدلا من ذلك أصبحت تستثمر في استراتيجيات الخوارزميات المعقدة التي تعمل على تعزيز محتوى معين، مما يخلق وهما بالحماس العفوي. وهكذا يتحول ذكر أحد المؤثرين لمنتج معين بشكل يبدو مصادفة إلى إشارة مدروسة تلتقطها الخوارزميات وتبدأ في ترشيح محتوى مماثل بشكل يحمل أقصى قدر من الأصالة، ما ينتج عنه في النهاية ظاهرة واسعة الانتشار تستهدف جمهورا محددا. ويعني هذا أن الخوارزميات تشارك بفعالية في صنع التريندات ولا تكتفي بمراقبتها، مما يؤدي إلى خلق " إجماع مصطنع ".
أسوأ ما في هذه الاستراتيجيات أنها تستغل الضعف النفسي لدى الإنسان أمام التوجهات الجماعية، فتغطي المنتج بغطاء الشرعية الاجتماعية من خلال شبكة معقدة من الأصالة المصطنعة. ومع تطور هذه الاستراتيجيات تصبح الأطر التنظيمية التقليدية في مأزق، فكيف يمكن ضبط وتصنيف محتوى غرضه التسويق وهو يُعرض علينا بشكل مختلف تماما عن الإعلان التقليدي؟ وحين يكون تأثير الخوارزميات بهذه الدقة، تقف المفاهيم التقليدية عن الشفافية والإفصاح عاجزة عن أداء دورها.
هذا التغير ليس مجرد ظاهرة تكنولوجية، بل تحول ثقافي له تأثير عميق. لقد أصبحنا نشهد الآن تسليع الأصالة نفسها، حتى تحول لفت الانتباه إلى عملة تجارية والخوارزميات إلى وسطاء، وصارت التجربة الإنسانية الحقيقية مجرد منتج قابل للتجارة والتلاعب.