الطلب على الأصول العقارية في مصر حقيقي. وسواء كان بهدف التحوط أو الاستثمار أو للاستخدام الشخصي، فإن المصريين يفضلون شراء العقارات والدليل واضح. مؤخرا، تشهد سوق العقارات الفاخرة أيضا طفرة في النشاط، إذ يدفع الطلب من المستثمرين المحليين والخليجيين المبيعات — والأسعار — إلى الارتفاع. ولكن، مع ارتفاع تكاليف البناء، والتضخم الذي يلتهم الدخل، واحتمالات أن يشهد الجنيه مزيدا من التراجع في قيمته، هل يستطيع القطاع العقاري الحفاظ على زخمه مع التغلب على هذه الضغوط الاقتصادية؟ وهل نترقب بالفعل فقاعة محتملة؟ وهل يمكن للمطورين العقاريين تلبية الطلب المتزايد مع معالجة تحديات القدرة على تحمل التكاليف والتسعير؟

استضفنا عددا من اللاعبين الرئيسيين في القطاع العقاري بمصر خلال منتدى إنتربرايز للتمويل لهذا العام، وتحدثنا مع المدير العام لشركة سوديك أيمن عامر، وداشا بدراوي، نائب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لشركة مراكز التابعة لمجموعة فواز الحكير، وإبراهيم المسيري، الرئيس التنفيذي لشركة أبو سومة للتنمية السياحية - المطور الرئيسي لمنطقة سوما باي، حول خفايا سوق العقارات المحلية.

صفقة رأس الحكمة غيرت قواعد اللعبة في السوق العقارية بمصر. هذا العام، كثف الوسطاء العقاريين من الإمارات والسعودية جهودهم لتسويق وبيع مشروعاتهم في مصر، وفق ما قاله عامر، مشيرا إلى أنه "بعد الإعلان عن مشروع رأس الحكمة تغيرت كل الأمور. لقد تحول تركيز العالم كله إلى الساحل الشمالي". وأيد بدراوي هذا الرأي، قائلا إن مشروع رأس الحكمة يعد أحد "حدثين كبيرين في الساحل الشمالي هذا الصيف"، والذي عزز جنبا إلى جنب مع مشروع مجموعة طلعت مصطفى، الطلب بشكل كبير على العقارات في المدينة الساحلية. واضاف: "لقد كان الطلب في الساحل الشمالي مذهلا".

الأسعار ارتفعت: أدى تزايد جاذبية الساحل الشمالي للمستثمرين الخليجيين إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، إذ سجلت أسعار العقارات قفزات مذهلة، فبحسب عامر ارتفعت "أسعار الغرف إلى 3 آلاف دولار أو أكثر في الليلة الواحدة لبعض الفيلات"، مشيرا إلى أن تدفق المستثمرين الأجانب أدى إلى زيادة الطلب على الأماكن الفاخرة على طول الساحل. وأضاف أنه في الواقع، تتراوح أسعار بعض الفيلات ما بين 11-14 ألف دولار في الليلة الواحدة.

اطمئن، لا توجد فقاعة: رغم المخاوف المتزايدة بشأن فقاعة عقارية محتملة، سارع المتحدثون في الجلسة إلى تبديد هذه المخاوف. وقال عامر، إنه "لا توجد فقاعة لأسباب كثيرة"، مشيرا إلى وجود فجوة كبيرة بين العرض والطلب. ويجد المطورون صعوبة في توفير وحدات كافية لمواكبة احتياجات البلاد من المساكن. واتفق المسيري مع هذا الطرح، مضيفا أنه في حين كانت هناك "فقاعة طلب" تغذيها استثمارات المضاربة قبل تعويم شهر مارس، لكن السوق تحولت منذ ذلك الحين إلى طلب حقيقي ومستدام، كما يواصل النمو السكاني ومحدودية العرض والقوة الشرائية الثابتة دعم المسار التصاعدي للسوق، ما لا يدع مجالا كبيرا لفقاعة الأسعار.

مقومات الطلب قوية بالفعل: سوق العقارات في مصر مدفوعة بمزيج قوي من الديناميكيات الثقافية والاقتصادية. "مع تعداد السكان البالغ 120 مليون نسمة، يتطلع الناس باستمرار إلى شراء العقارات، ليس فقط لأنفسهم ولكن لأبنائهم أيضا"، وفق ما قاله عامر. وبإضافة النمو السكاني السريع إلى المعادلة، فإن مقاييس الطلب تبدو قوية جدا.

الأسعار في مواجهة القدرة على تحمل التكاليف: مع استمرار ارتفاع الأسعار، تزداد المخاوف بشأن القدرة على تحمل التكاليف. فبحسب عامر، ارتفعت الأسعار بنسبة تتراوح بين 200-300% خلال السنوات الثلاث الماضية، وهذا ما وضع المشترين والمطورين تحت الضغط. علل عامر الارتفاعات الهائلة بنسب التضخم وارتفاع تكاليف البناء. لكن هناك مشكلة أخرى، إذ "لم تواكب الرواتب المحلية انخفاض قيمة الجنيه"، بحسب بدراوي، الذي أشار إلى أن هذا التفاوت بين الدخول وأسعار العقارات يجعل من الصعب على العديد من المصريين مواكبة هذا الارتفاع، ما يدفع مزيد من الأشخاص إلى التفكير في تمديد فترة السداد — أو الانضمام إلى الحشد المتزايد من المستأجرين.

قد يمثل الإيجار حصة أكبر من المعروض العقاري الجديد: أصبحت الإيجارات طويلة الأجل خيارا شائعا على نحو متزايد بالنسبة للمصريين الذين لم يعد بإمكانهم شراء العقارات، طبقا لعامر. وتابع: "20% من العقارات في غرب وشرق القاهرة مستأجرة حاليا، وهو تحول كبير"، مضيفا أن بعض المستأجرين يدفعون نحو 35 ألف جنيه إيجار شهري للمنازل، بينما يصل إيجار الوحدات الأكبر إلى 150 ألف جنيه.

مقارنة بالسوق العالمية: أشار كل من عامر والمسيري إلى أن أسعار العقارات المصرية تظل منخفضة للغاية مقارنة بالأسواق العالمية. "لا نزال بعيدين كثيرا من حيث سعر المتر المربع مقارنة بالمعايير العالمية"، بحسب المسيري.

متوسط سعر المتر المربع للوجهات الفاخرة في مصر يتراوح بين 2-3 ألف دولار، في حين يصل إلى ما بين 5-18 ألف يورو في اليونان، وفق ما ذكره المسيري، مضيفا أن ما زال أمام المطورين مساحة كبيرة للحركة قبل أن نصل إلى تلك الأسعار. وأكد بدراوي على أن تحسين البنية التحتية وخدمات الضيافة والنقل من شأنه أن يقطع شوطا طويلا في جذب رأس المال الأجنبي.

الوقت حان لجذب المشترين الدوليين: قال المسيري إن "ما بين 30% إلى 35% من مالكي المنازل لدينا [في سوماباي] هم من الخارج — أي أجانب، وليسوا من المغتربين المصريين". إن قرب المنطقة من السعودية وإمكانية جذب المشترين الدوليين يمكن أن يعزز بشكل كبير قطاع العقارات في مصر في السنوات المقبلة.

الآن هو الوقت الذهبي لمنطقة البحر الأحمر: تتأهب منطقة البحر الأحمر لتصبح وجهة جذب عقارية رئيسية أخرى في مصر. وقال المسيري: "البحر الأحمر قادم"، متوقعا أن يبدأ المطورون قريبا في الاستحواذ على الأراضي نظرا لتفوق البنية التحتية والاتصالات هناك مقارنة بالساحل الشمالي.

فجوة الاستثمار المؤسسي: في حين يواصل المشترون الأفراد والخليجيون تعزيز الطلب في بعض الأماكن، يظل الاستثمار المؤسسي فرصة غير مستغلة إلى حد كبير في قطاع العقارات في مصر. وقال بدراوي "ببساطة، لا توجد فرص مؤسسية كافية"، منوها إلى أن نقص الأصول المدرة للإيرادات المتكررة والعقبات التنظيمية التي تمنع المستثمرين المؤسسيين من المشاركة الكاملة في السوق. كما دعا عامر إلى مزيد من التنظيم والشفافية لجذب مجموعات أكبر من رأس المال المؤسسي. وقال: "نحن بحاجة إلى خلق بيئة أكثر شفافية وتنافسية إذا كنا نريد جذب استثمارات مؤسسية كبيرة".

تشهد سوق المنتجات الفاخرة في مصر نموا على كافة الأصعدة، فيما يتعلق بأنماط المشترين المختلفة ونقاط الأسعار، وفق عامر. وقال إن الوحدات الفاخرة شكلت نحو 70% من مبيعات سوديك هذا العام. "هناك العديد من المشترين الذين يستطيعون تحمل تكلفة هذه المنتجات الراقية، وهم يبحثون عنها بجدية عندما تتوفر لهم عروض البيع الفريدة المناسبة"، بحسب عامر. ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في البيانات - فقد حقق أحدث مشروع فاخر لشركة سوديك على الساحل الشمالي، أوجامي، مبيعات قياسية بلغت 20 مليار جنيه في غضون أسبوع واحد فقط من إطلاقه.

التحديات حقيقية مثل الطلب: ارتفاع تكاليف البناء، والتضخم، وزيادة أسعار الوقود المحتملة كلها عوامل قد تعطل زخم القطاع العقاري. "إذا استقر الدولار عند ما بين 50-55 جنيه سترتفع أسعار العقارات بنسبة تتراوح بين 12-15% — وهو ما نتوقعه كجزء من المسار الطبيعي للسوق". لكن كما حذر المسيري من أنه إذا جرى إلغاء الدعم عن الوقود، "فإن تكاليف البناء قد ترتفع إلى أعلى مستوى". ومن أجل التعامل مع هذه الضغوط، يحتاج المطورون إلى تبني نماذج تسعير مرنة والتكيف مع المشهد الاقتصادي المتغير.

ماذا عن السوق الثانوية؟ إلى جانب الضغوط التضخمية، تواجه سوق العقارات الثانوية مجموعة من التحديات الخاصة بها، بحسب بدراوي. يكافح أصحاب الوحدات بالسوق الثانوية للتنافس مع المطورين الذين يقدمون خطط سداد ممتدة، الأمر الذي يشكل ضغوطا على البائعين الأفراد. وقال بدراوي: "الوحدات التي تنتقل إلى السوق الثانوية عادة ما تكون في مجتمعات مبنية ومزدهرة بالفعل"، مشيرا إلى أن مشكلات السيولة ومنافسة شروط السداد قد تجبر الكثيرين على تسييل العقارات، ما يؤدي إلى زيادة إغراق السوق الثانوية.

تظل التوقعات طويلة الأجل لقطاع العقارات في مصر إيجابية. أكد المسيري أن الطلب الأساسي على الإسكان سيستمر مع نمو عدد سكان مصر، وتكيف مستويات الدخل مع التطورات الاقتصادية الجديدة. "نحن نعود إلى الطلب الحقيقي، ومع تكيف دخول الناس مع الواقع الاقتصادي الجديد ستستقر السوق"، بحسب المسيري. وعزز عامر هذا التفاؤل مشيرا إلى أنه في ظل نقص العرض ونمو الطبقة المتوسطة، لا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأن القطاع يواجه فقاعة.