تطور أسرع من إدراكنا: استغرق أسلافنا نحو 2.4 مليون سنة لاكتشاف النار واستخدامها في الطهي، في حين احتجنا 66 عاما فقط بين أول رحلة طيران للأخوين رايت (والتي استمرت لأقل من دقيقة)، وبين هبوط أول إنسان على سطح القمر. واليوم يمضي البشر والذكاء الاصطناعي (معا) نحو تطور تكنولوجي أسرع من إدراكنا لتأثيراته.

**اضغط على عنوان الفقرة بالأعلى لقراءتها كاملة مصحوبة بكل الروابط**

الذكاء الاصطناعي يبشر وينذر بطفرة جديدة: أظهر الذكاء الاصطناعي وتيرة غير مسبوقة من التطور والتغيير، ففي حين تبدو المساعدات الرقمية والروبوتات الواعية أمرا رائعا، فإن القلق العام بشأن المخاطر المحتملة للتكنولوجيا يتزايد باستمرار.

وهذا القلق ينبع من أسباب وجيهة.. فهناك احتمال بنسبة 5% أن تدمر هذه الآلات فائقة الذكاء البشرية بالكامل، بحسب مسح شمل 2700 باحثا في مجال الذكاء الاصطناعي. ويخشىلاعبو قطاع التكنولوجيا أنه في المستقبل، عندما تستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي في جوانب الحياة المختلفة من إدارة الأعمال وحتى الحروب، فقد تبدأ في القيام بأمور ليس فقط دون تعليمات وتوجيه من البشر، ولكن ضد رغباتهم من الأساس. وقد تقاوم هذه الآلات تدخل البشر وقد تتناسخ أيضا لتواصل أعمالها. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي الفاعل في الصورة، تتزايد المخاوف بالفعل.

هل يمكن للعباقرة منا أن يتصدوا لهذه القوة الهائلة؟ في كتابه Human Compatible: Artificial Intelligence and theProblem of Control، يؤكد ستيوارت راسل على قلقه بشأن ما إن كان البشر قادرين على الحفاظ على تفوقهم واستقلاليتهم في عالم يتشاركونه مع آلات تتمتع بذكاء أكبر بكثير. يمثل التساؤل المتعلق بقدرتنا على التصدي لهذا التطور المتزايد لغزا في حد ذاته، وفقا لكيفن جوردون، نائب رئيس تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في نيكس أوبتك، إذ يؤكد أنه حاليا توجد العديد من الطرق التي يمكن للباحثين والشركات من خلالها حماية مستخدمي تطبيقاتهم، ولكن على المدى الطويل، فقد يكون الأمر أصعب من ذلك.

ربما نبالغ في خوفنا؟ رغم التقدم الذي أحرزناه في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا أننا لا نمتلك بعد الموارد أو التكنولوجيا اللازمة لتطوير آلية تفكير متعددة الأغراض تتفوق علينا كليا، حسبما قال كريستوفر وايت، رئيس مختبرات "إن إي سي" الأمريكية. ولكن في حال حدث ذلك، وقع 350 من العلماء والشخصيات البارزة في مجال الذكاء الاصطناعي العام الماضي على خطاب مفتوح للتأكيد على أن "مجابهة خطر الانقراض على يد الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أولوية عالمية إلى جانب المخاطر الأخرى على نطاق المجتمع مثل الأوبئة والحروب والنووية".

قد لا تدمر التكنولوجيا البشرية نفسها، لكنها بالتأكيد تعمل على تآكل الروابط الاجتماعية التي تربطنا ببعضنا البعض. فبينما توفر لنا التكنولوجيا وسائل اتصال لا حصر لها، تدفعنا في الوقت نفسه إلى العزلة والانغماس في عوالم افتراضية. ومع تزايد اعتمادنا على التطبيقات والمنصات الاجتماعية، نجد أنفسنا نقضي وقتا أقل في التفاعل مع الأشخاص وجها لوجه. وقد أدى ذلك إلى ظاهرة العلاقات الافتراضية، إذ يشعر الكثيرون الآن بارتباط العاطفي تجاه البوت المصاحب أكثر من ارتباطهم بالأشخاص الحقيقيين، إذ يوفر لهم الحميمة والراحة.

الأطفال الذين ينشأون في بيئة تحيط بها أجهزة تعمل بمساعد ذكاء اصطناعي ذكي يتعلمون قواعد تفاعل مختلفة تماما عن تلك التي تعلمتها الأجيال السابقة. فبدلا من تعلم أهمية الأدب والاحترام في التعامل مع الآخرين، يتعلمون أن يتحدثوا إلى الأجهزة بصوت قاسٍ وأوامر مباشرة. ويرى الاقتصادي في مجلة الإيكونوميست دان ويليامز أن "الناس لن يعتادوا على مساعد ذكاء اصطناعي يتطلب التعامل معه التحدث بأدب ورجاء عند إصدار الأوامر، كأن تقول: أليكسا هل يمكنكم إذا سمحتي أن تخبريني بطقس اليوم رجاء؟ ولكن هذه الأدوات صممت لتتلقى الأوامر في صيغة قاسية كأن تقول: أليكسا: الطقس".

وداعا للخصوصية، فقد بات استخراج البيانات البشرية هدفا للذكاء الاصطناعي ويعمل جمعها عبر الإنترنت، ويكون ذلك عادة من دون علمنا أو موافقتنا ليصنع منها صورة مفصلة عن حياتنا. ويبدو أن تجنب المراقبة التي تأتي مع استخدام المنتجات عبر الإنترنت، والذكاء الاصطناعي كان مستحيلا منذ البداية، نظرا لأن طبيعة الذكاء الاصطناعي تجعله متعطشا لجمع البيانات بشراسة وهو ما يزيد الطين بلة. ويشمل هذا التتبع الدائم أيضا بياناتنا البيومترية مثل بصمة الأصوات وهو ما يثير التساؤلات والمخاوف، لدرجة أن المستخدمين أصبحوا يخشون الكلام حين يعلمون أن المكالمة تسجل.

وعملك في خطر: لقد وعد الذكاء الاصطناعي باستبدال عدد كبير من الموظفين في قطاعات مختلفة، وهو ما أدى إلى موجة تسريح الموظفين التي جعلت نحو 284 ألف شخص في الولايات المتحدة عاطلا عن العمل بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي منذ عام 2023. وصحيح أن الشركات لم تربط علنا بين تسريحات العمال واستبدالهم بالذكاء الاصطناعي، لكن معظم موجة تخفيض الوظائف أعقبها مباشرة استثمارات كبيرة في الذكاء الاصطناعي من تلك الشركات نفسها.

ربما تتخطى التكنولوجيا تدمير البشر وتذهب مباشرة إلى تدمير الكوكب نفسه، إذ تلعب التكنولوجيا دورا مهما في تفاقم التدهور البيئي. فقد ثبت أن كم الكهرباء المستخدم في حد ذاته يخلف كمية مذهلة من الانبعاثات التي تتسبب في رفع درجة حرارة الكوكب. كما عرفنا مؤخرا أن الانبعاثات الناتجة عن تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي أعلى بنسبة 662% مما أبلغت عنه شركات التكنولوجيا الكبرى. ويبدو أن تعهد كثير من الشركات تجاه البيئة قد ذهبت أدراج الرياح، فقرروا الترويج لسمعة زائفة بدل من الالتزام البقيم المزعومة فعلا.