الحصول على قسط كاف من النوم هو أساس حياتنا اليومية، ولكن الوصول إلى النوم المنتظم لم يكن دائما عبر خفوت الأضواء وتناول الميلاتونين أو الاستماع إلى الضوضاء البيضاء. في الواقع، يعتبر النوم المتواصل خلال الليل ظاهرة حديثة نسبيا، إذ تغيرت أنماط نومنا بشكل كبير من عصر إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، وما يناسبنا في عالم اليوم قد لا يكون عمليا أو فعالا بالنسبة لأجدادنا، والعكس بالعكس.
ربما وقع ذلك التغير نتيجة للتقدم الاجتماعي والتكنولوجي الذي أجبرنا على إعادة النظر في رؤيتنا للنوم وعلاقتنا به وتأثيره علينا. ولكن الزمن الذي نقضيه في النوم كان موضوعا للنقاش منذ زمن بعيد.
بدأ الناس في التفلسف حول أسباب وفوائد النوم الجيد منذ عام 450 قبل الميلاد على الأقل. وكان أول من سجل هذه الفكرة هو الطبيب اليوناني القديم الكمايون، الذي اعتقد أن حاجتنا للنوم ترجع إلى ضعف الدورة الدموية في الدماغ. وبعد أكثر من 600 عام، اعتقد محقا فيلسوف يوناني آخر وهو طبيب أيضا أن الدماغ هو المسؤول عن الوعي أو غيابه.
لماذا ينام المرء مرة واحدة يوميا بدلا إذا كان بإمكانه النوم مرتين؟ قدم المؤرخ روجر إيكريش في عام 2001 أدلة تفيد بأن أسلافنا كانوا يتبعون نمط نوم مقسم إلى مراحل بدلا من النوم المتواصل الطويل الذي اعتدنا عليه اليوم. وقد ظهر هذا النمط بوضوح في ملحمة “الأوديسة” لهوميروس في القرن الثامن قبل الميلاد، إذ أشار الشاعر الإغريقي إلى فكرة ” النوم الأول “. وكانت الفترة الفاصلة بين النوم الأول والثاني، والتي (من الساعة 9 مساء إلى 11 مساء، ثم من الساعة 1 صباحا إلى 6 صباحا)، تستغل في التواصل الاجتماعي وممارسة الهوايات أو الاسترخاء. وثمة إشارات كثيرة إلى هذا النمط من النوم في الأدب ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، أي أن ذلك النمط كان هو العرف السائد لآلاف السنين في أوروبا وأفريقيا وجنوب شرق آسيا وأستراليا.
وفي عصور أحدث، نجد أن المخترع الشهير ورجل الأعمال توماس إديسون، كان يرى النوم مضرا بالصحة لسبب ما. كما اعتقد أنه علامة على الكسل و”أن من ينام ثماني أو عشر ساعات ليلا، لا يصل إلى حالة استيقاظ أو نوم كاملة”. لذلك، لم يكن لديه مانع من رؤية تغير كبير في أنماط نومنا الطبيعية بشكل جذري وربما على نحو دائم.
وبالفعل أدخل اختراع المصباح الكهربائي الضوء الصناعي إلى المنازل في عام 1879، مما أدى إلى تغير جذري في أنماط نومنا واختفى النوم ذو النمط الثنائي. فقد سمح ذلك الاختراع للناس بالبقاء مستيقظين سواء بغرض العمل أو الترفيه أو التواصل الاجتماعي خلال ساعات الليل. وفي عام 1992، أجرى الطبيب النفسي توماس وير تجربة لدراسة تأثير الضوء الصناعي على أنماط النوم. فخضعت مجموعة من المتطوعين لبيئة مظلمة لمدة 14 ساعة يوميا. وبعد أربعة أسابيع، لاحظ وير أن المشاركين ينامون ثماني ساعات يوميا في المتوسط، ولكن على مرحلتين منفصلتين. استنتج وير من ذلك أن البشر يميلون بشكل طبيعي إلى النوم على مرحلتين وأن الضوء الصناعي هو ما أدى إلى تعطيل ذلك النمط الطبيعي.
زاد الضوء.. فزاد العمل. ازدهر العالم الصناعي بفضل اختراع إديسون، إذ بات بوسع الناس العمل لساعات طويلة بعد غروب الشمس، مما أدى إلى تغيير جذري في نظرتنا للنوم. فمع تزايد ساعات العمل، أصبح حتى الحصول على ست ساعات نوم يوميا أمرا بعيد المنال بالنسبة للطبقة العاملة التي عانت من أيام عمل طويلة بلا نهاية، وذلك بسبب غياب قوانين العمل التي تواكب هذا التطور. وقد دفع ذلك الأمر العمال خاصة الويلزيين إلى المطالبة بثماني ساعات عمل وثماني ساعات للراحة ومثلها للترفيه. وهكذا، نشأت فكرة ضرورة النوم ثماني ساعات يوميا.
هل تكفينا ثماني ساعات؟ شهد القرن العشرون تركيزا على تحسين جودة النوم التي تدهورت بشكل ملحوظ على مستوى العالم. ويعتقد إيكريش أن العديد من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات النوم لا يعانون من اضطراب حقيقي، إذ أن ذلك هو “صدى نمط نومنا القديم”. ظهرت أول حبة نوم وهي الباربيتورات في عام 1903. وبحلول عام 1930، أي بعد 27 عاما فقط، استهلك الناس أكثر من مليار حبة منها في الولايات المتحدة وحدها. كما تقدر قيمة سوق أدوية النوم اليوم بنحو 32 مليار دولار، فمن المستفيد يا ترى.
توغل الرأسمالية: يرى بنيامين رايس مؤلف كتاب Wild Nights: How Taming Sleep Created Our RestlessWorld أن أخلاقيات العمل الرأسمالية هي المسؤولة عن هذه النظرة التي تعتبر النوم مضيعة للوقت وأنه ملاذ الكسالى. وما زالت هذه الفكرة سائدة إلى اليوم، وحسبنا المديرين التنفيذيين الذين يفتخرون بقلة ساعات نومهم. فليس من قبيل المصادفة أن يتزامن تحول العمل إلى روتين متكرر يتطلب تجميع أعداد كبيرة من العمال في المصانع بهدف زيادة الإنتاج، مع تصوير العمل الشاق المضني باعتباره معيار النجاح، بحسب ريس.